ترجمة ومقالات أبي اليقظان - من الموقع الإلكتروني
الجزء ١ · صفحة ٤٢و إذا جاءهم فاسق فجاهرهم بفجوره و فسوقه ، هتفوا له ، و إذا أقبل إليهم أحد الوجهاء المثرين ، قاموا له ابتغاء مرضاته ، و إذا لاح لهم شبح موظف رفعوا أيديهم رغبا و رهبا و زلفى ، و إذا تكلم صفقوا له و لو لم يفهموا لكلامه مغزى ، و هكذا تظهر عوارض الانخداع بالقوة المادية في جميع حركاتهم و سكناتهم بدون أن يحسبوا لمستقبلهم حسابه ، إذ أداة النظر و التفكير في العواقب هي البصيرة ، و بصائرهم مطموسة بحب المادة و عشق المادة و الغرام بالمادة ، و هذه لها وقت معدود و أجل محدود ، لا يتجاوز عالم الشهادة ، و لا رأي و لا شعور في عالم الغيب الذي يحمل بين جوانحه أهوالا و أي أهوال !!!
لأجل ما تقدم ترى أن المتأثرين بعامل الواجب و المؤمنين به و المقتنعين بحجته هم قليلون جدا ، و هم في كل عصر غرباء ، يطاردون من مكان لمكان ، كأنهم لاستقامتهم جناة مجرمون لا يستحقون العيش مع غيرهم في الوجود ، و لا حظ لهم في الحياة ، و أي إنسان يصبر على هذه المضايقات من جميع الشعوب و النواحي إذا لم يكن راجح العقل ، عظيم النفس ، كبير الهمة ، لا يحسب للمادة إزاء القوة المعنوية قيمة ، و لا يرى تجاه هذه شأنا ، بل ينفذ شعاع بصيرته إلى ما وراء المادة من الشرف الرفيع و النعيم الخالد ، أولئك هم الرجال العظماء الكاملون .
و بكل أسف نرى أنه بقدر ضغط القوة المادية و ازدهار جماهيرها و طغيانهم ، يقل أولئك القليلون ويضأل عددهم و تهن قواهم حتى كاد لا يحس لهم أثر ،و لا يشعر لهم بوجود مع أنهم روح الأمم و ملح الشعوب .
و كلما ألقيت نظرة تحليلية لدعوة زعيم أو خطة سياسي ، إلا و تجد سداها و لحمتها المادة و مثلها الأعلى هي المادة ، اللهم إلا القليل النادر .