سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١١فيها ما صقل شخصيته، ونمّى معارفه … ولو كان ذلك في سنّ متقدّمة من حياته. المهمّ كما قال الدّكتور محمد صالح ناصر عن رحلات ابن دريد العلميّة: " إنّ النّاظر في حياة ابن دريد يلحظ فيها فواصل زمانية، وفواصل مكانية، وكلّها كانت عظيمة الأثر في حياته. فقد تنقّل من بيئة عربية خالصة إلى أخرى أعجمية خالصة. وسافر وهو خائف مطارد، كما استقرّ وهو مرفّه منعّم. ومن هنا فإنّ النّظر في هذه الرّحلات قد يساعد على فهم شخصيّة ابن دريد، ويلقي الضّوء على جانب من جوانب حياته، فإنّ هذه الأسفار ولا شكّ قد أفادته تجربة، وزوّدته معارف واتّصالات؛ ولذلك اعتنى المترجمون بذكرها، إلاّ أنّهم لم يتّفقوا على عددها … "(1)
يقول الدّكتور أحمد درويش: " … كانت رحلاته (أي ابن دريد) المتكرّرة إلى عمان واتّصاله بصفاء اللّغة هناك قد أمدّه برافد هامّ مكّنه من السّيطرة على المادة اللّغوية؛ دراية ورواية وتنسيقًا وفتحًا لآفاق جديدة … "(2)
ركّز الدّكتور محمد صالح ناصر على بيئتين كان لهما دور كبير في صقل شخصيّة ابن دريد اللّغوية بخاصّة، هما البصرة وعمان. عن البصرة قال: " وممّا لا شكّ فيه أنّ لنشأة ابن دريد في البصرة بالذّات علاقة وطيدة وتأثير مباشر في توجّهه اللّغوي، وتكوينه الأدبي، وعنايته القصوى باللّغة العربية؛ حفظًا وإتقانًا ودراسة." وقال عن بيئة عمان الثّقافية: " وأحسب أنّ من أهمّ العوامل التي ساعدت على شهرة ابن دريد وتفوّقه في المجال اللّغوي انتماءَهُ إلى أزد عمان بالذّات، واتّصاله الوثيق بهذه البيئة الثّقافيّة التي وإن لم يعش فيها طويلاً، إلاّ أنّه ظلّ وثيق الصّلة بها. وليس أدلّ على ذلك من شهرة البيئة العمانيّة بالحافظة اللّاقطة، والذّاكرة العجيبة المتدفّقة، وهذه أولى الخصائص التي ساعدت ابن دريد على تفوّقه اللّغوي، إذ لولا هذه الحافظة التي تسعفه بالعلم والرّواية ما ألّف الجمهرة، أو الاشتقاق، أو الملاحن، أو غيرها من المؤلّفات القيّمة … "(3)
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 48. ينظر الإشارة إلى بعض هذه الرّحلات: المرزباني، معجم الشّعراء، ص: 425. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج2، ص: 195. ابن النّديم، الفهرست، ص: 275. ابن خلّكان، وفيات الأعيان، ج3، ص: 450 … ينظر تفصيلا وتحليلا لهذه الرّحلات، حسب المراحل التي مرّت بها حياة ابن دريد الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد، ص: 48 – 60.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 40.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 32. لمزيد من التّفاصيل في الموضوع، ينظر الكتاب نفسه الفصل الثّالث: الحياة العلمية والثّقافية، ص: 27 – 34.