سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٢

4 - قضاء جزء من حياته المبكّرة في أجواء المدينة، وتدرّجه فيها، وأخذه من البيئة الحضريّة ما أضاف إلى شخصيّته مكوّنًا آخر، اختلط بما تشبّعت به نفسه من ملامح البادية الصّافية. فكان لذلك أثره على مستقبل حياته العلمية والعملية. يقول أحمد عبد اللّطيف اللّيثي عن العوامل التي أثّرت في نشأته، وصقلت شخصيته: " … العامل الثّاني: أخذه بحظّ وافر من أضواء المدينة، وزخارف الحواضر .. فلم يكن ابن دريد منغلقًا على نفسه، بقدر ما كان منطلقًا .. هذا الانطلاق الذي وسّع بلا شكّ مداركه .. وكثّر معارفه، وجعله ملمًّا إلمامًا واسعًا بثقافة عصره … "(1)

5 - كان حظّه أن يعيش البيئة العلمية، منذ صغره، ويتنقّل بين فضاءات كثيرة، أسهمت في تنشئته النّشأة العلمية والثّقافية الصّحيحة القوية. يقول الدّكتور أحمد درويش: " … ولقد أتيح لابن دريد أن يعيش الحياة العلمية في العراق وفارس في أزهى فترات الحضارة الإسلامية، وأن يسهم في العطاء، بعد أن أسهم في الاستيعاب في مرحلة يرى بعض المفكّرين أنّها القمّة التي وصل إليها العطاء العلمي في الإسلام …

كان شيوخ علماء اللّغة والأدب والنّحو وعلوم الدّين والشّعر وأصحاب التّرجمات والمولعون بعلوم الأوائل، كان كلّ أولئك يعمرون العراق في هذه الفترة، يفدون إليه، أو يلتقون فيه، أو ينطلقون منه، إلى أمصار العالم الإسلامي المختلفة … "(2)

يقول الباحثان موسى بني خالد وأنور الخالدي: " عاش ابن دريد في عصر حافل بالعلم والنّشاط الفكري، فقد ازدهرت حركة التّأليف، ونشطت التّرجمة، وبرز العلماء، في الفترة التي عاشها ابن دريد (223 – 321هـ). وقد عبّر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري (ت 255هـ) عن ذلك النّشاط الفكري في كتابه الحيوان بقوله: (وكان المعين فيّاضًا مترعًا، والعقول في نشاط، والتّأليف والتّرجمة لهما دويّ النّحل في كلّ صقع، والدّين يدعو إلى العلم والنّور، والمال تلمع وجوهه في عيون أهل الفضل، فيذكي العزائم، ويبرم العقد، والعلم ولود، صاحبه كلّما ارتوى منه عاد به في سبيل الظّمأ، وحيثما شبع منه رجع به في سبيل الجوع.) "(3)

بمعنى إنّ ابن دريد عاش في عصر اتّساع مجالات الثّقافة، وتدفّق ينابيع العلم، وتنوّع مصادر المعارف، لذا عرف علماؤه ومؤّلفوه بالموسوعيّين بما يملكون من الثّقافة، وبما

(1) - فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، إصدار يونيو 1990م، ص: 123.

(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 36، 37.

(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 90. ينظر كتاب الاشتقاق، المقدّمة، ص: 7. وكتاب الجمهرة، ج1، ص: 11.

١١ / ١٥٣