سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٠

وعُمان، حسب ما تذكر المصادر. بذلك تكون نشأته وتعلّمه بين البصرة وعمان. تدلّ على ذلك العبارات التي نقلت عمّن ترجم لابن دريد، والتي تورد ما يفهم منها أنّه نشأ في البصرة، كما نشأ في عُمان أيضًا. يقول ابن خلّكان: " إنّه نشأ بالبصرة وتعلّم فيها "(1). وابن النّديم يقول: " ولد بالبصرة وأقام بها، ثمّ مضى إلى عمان "(2). والسّيوطي يقول: " إنّه ولد بالبصرة وقرأ على علمائها "(3). أمّا تلميذه المرزباني والسّمعاني والخطيب البغدادي وابن الأنباري فيقولون إنّه نشأ بعمان(4)

هذا التّداخل والاختلاف في تحديد مكان النّشأة والتّعلّم بين البصرة وعمان، يدلاّن على هذه اللّحمة والعلاقة الكبيرة اللّتين كانتا بين أهل عمان وسكّان البصرة، التي كان أغلب قاطنيها عمانيّين؛ لذا كان المؤرّخون لحياة ابن دريد لا يفرّقون بين البصرة وعمان في أثناء الحديث عن ابن دريد، ولا يعبؤون بالتّدقيق في ذكر الجهتين، وكانوا يعدّانهما مكانًا واحدًا، ولا يختلفان إلاّ في التّسمية. كما أنّه بسبب تعاقب وجود ابن دريد بين البصرة وعمان، لم يتمكّن الدّارسون والمؤرّخون من تحديد مكان النّشأة بالضّبط، فتكون بذلك قد حصلت في الجهتين، وإن كانت للبصرة الأولوية أو الفضل في ذلك. في هذا المعنى يقول محمد بدر الدّين العلوي: "وأجزم أنّهم كانوا (أي أهل ابن دريد) في البصرة، حين ولد ابن دريد، ثمّ ذهبوا إلى عمان، ووقعت نشأته في عمان بهذا المعنى، ثمّ لمّا صار أهلاً للتّعلّم أقام بالبصرة مع عمّه الحسين بن دريد، ولعلّه كان أكثر إقامة بها من بينهم، ولا شكّ أنّه تعلّم بها، إذ معلّمه الأوّل بعد عمّه هو أبو عثمان الأشننداني، وقد ثبت أنّه أخذ عنه بالبصرة. فأحسب أنّ من قال بوقوع النّشأة والتّعلّم في البصرة اختصر وأغمض في زمن طفولته، الذي قضاه بعمان. ومن قال بكون النّشأة في عمان أهمل ذكر تعلّمه بالبصرة "(5)

معنى هذا أنّ البصرة وعمان اشتركتا في تنشئة ابن دريد. البصرة كانت موطن التّعلّم، وعمان كانت موضع اكتساب المهارات والإفادة من بيئتها.

3 - رحلاته المتعدّدة بين عمان والبصرة وفارس وبغداد. فمن هذه الرّحلات ما أفاد منها في بداية حياته في التّعلّم والتّكوّن، ومنها ما استثمره لأخذ التّجارب ممّن التقى بهم في المراحل التي أعقبت بدايات نشأته، ومنها ما استلهم من بيئاتها التي تقلّب

(1) - وفيات الأعيان، ج3/ 450.

(2) - الفهرست، ص: 275.

(3) - بغية الوعاة، ج1/ 76.

(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 50.

(5) - ديوان ابن دريد، تحقيق محمد بدر الدّين العلوي، ص: 4.

٩ / ١٥٣