سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١١٠

دون التّحقيق النّهائي من نسبة الأحاديث المروية لابن دريد، ثمّ في عددها، وفي مضمونها، وفي جمع شتات بعض الأحاديث الموزّعة بين صفحات الكتب النّاشرة لها … من دون منهجية واضحة أحيانًا. كما فعل أبو علي القالي في إملائه الأحاديث في مجالس، يتطلّع من يشهدها إلى الاستمتاع بما يسمع، لهذا يحاول المملي تحقيق هذا المطلب، وتلبية هذه الرّغبة؛ بالتّنويع في الموضوعات، من دون ضابط محدّد، ولا منهجية معيّنة، فقد يعمد المملي أو الرّاوي إلى الانتقاء، والانتقال من موضوع إلى موضوع، ممّا قد يتسبّب في تشتيت الموضوع الواحد وتوزيعه بين مجالس متعدّدة. وقد تفتقر هذه الموضوعات وهذه المرويات إلى الرّابط الموضوعي الذي يربطها ببعضها، وغير ذلك من المشكلات التي تقف دون الإفادة الكبيرة من هذه الأحاديث.

حاول الدّكتور أحمد درويش معالجة هذه المشكلة المنهجية باقتراح منهج خاصّ، اعتمده في دراسة هذه الأحاديث، لتجسيد (النّصّ الغائب)، الذي قال عنه: " ونعتقد أنّ ظهور الأحاديث في هذا المعرض، من شأنه أن يجسّد (النّصّ الغائب)، وأن يقرّبه ربّما من الصّورة التي تصوّرها ابن دريد نفسه، أو حتّى من الصّورة الغائبة، التي ليس بين أيدينا منها إلاّ روايات وتعليقات الآخرين "(1)

ب - تمهيد في موضوع أحاديث ابن دريد

إنّ أشهر ما نقل من النّصوص النّثرية، ممّا ينسب إلى أدب ابن دريد أحاديثه، التي اختار لها طريقة جديدة في تقديمها. وقد وجّهها للنّاشئة بخاصّة، ثمّ لعامّة النّاس؛ ليعرّفهم بأصول اللّغة والأدب العربيين، ويطلعهم عل بعض النّوادر وتاريخ العرب وآثارهم … يرجّح الدّكتور أحمد درويش أنّ كثيرًا منها لم يصلنا، ضاع من بين ما ضاع من آثار ابن دريد، وقد يكون بعضها لم يدوّن أصلاً.(2)

هذه الأحاديث، رغم ما قدّم فيها وحولها من أعمال جادّة، هي في حاجة إلى دراسات معمّقة متأنّية، وإلى قراءات متنوّعة متعدّدة؛ لما أثارته من جدل ونقاش كبيرين عميقين، ولما أفرزته من آراء متباينة، ونظرات مختلفة، وتقويم متنوّع النّتائج، ومتباين أحيانًا، ولما بقي فيها غامضًا وألغازًا، يحتاج إلى توضيح وفكّ أسراره. ولما تستوقف الباحث فيها من انطباعات وملاحظات وإشكالات، بما يبعث المتعة والنّكهة في مزيد الغوص في أعماقها، وسبرأغوارها …

(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 133.

(2) - المرجع السّابق، ص: 97.

١٠٠ / ١٥٣