سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٠٩المخطوطة، وأعطاها حقّها من العناية، وصدّرها بدراسة جيّدة متأنّية عن ابن دريد. وحاول أن يصل الأخبار الواردة فيها برواياتها في كتب التّراث النّثري المتعدّدة لتوثيقها وضبطها. وفي هذا الإطار استطاع المحقّق – كما يقول – توثيق نحو ثمانين في المائة من مجمل المادة التي تعرّض لها الكتاب، وهي مادة بلغت في مجملها نحو مائتين وأربعين خبرًا، ومائة وسبعين مقطوعة شعرية، وهو جهد علمي جاد ومفيد "(1)
ما قام به السّيّد مصطفى السّنوسي يعدّ إضافة في خدمة تراث ابن دريد النّثري، كما يحسب عملاً علميًا جيّدًا، تمكّن من خلاله توثيق النّصوص المنسوبة إلى ابن دريد من المصادر القديمة، مع دراستها. هو بذلك يكون قد قدّم خدمة للمتلقّين للاطمئنان على صحّة نسبة الآثار التي عمل فيها، وبالنّسبة للباحثين يكون قد أمدّهم بمادة علمية محقّقة، يتشجّعون بذلك على دراستها.
هذا العمل ثمّنه الدّكتور أحمد درويش، وهو ما يجب القيام به في الحقل العلمي. إلاّ أنّ جزءًا من الآثار الأدبية لم يتمكّن المحقّق أن يوثّقها. وبذلك يبقى العمل في حاجة إلى المواصلة والمتابعة. فبعد ثناء الدّكتور أحمد درويش على عمل السّنوسي سجّل نقصًا فيه الجبّار: " غير أنّ المحقّق فاته في بعض الأحايين أن يعرض نصوص الأحاديث والأخبار على أحاديث ابن دريد التي رواها أبو علي القالي في أماليه، والتي تشكّل أهمّ مصدر موثّق لأحاديث ابن دريد عند القدماء والمحدثين. مع أنّ المؤلّف رجع إلى أمالي أبي علي القالي، بل وعدّها المرجع الأوّل فيما رجع إليه من الكتب القديمة، واستطاع إرجاع بعض الأخبار إليها، ومع ذلك فقد ندّ عنه عدد لا بأس به من هذه الأخبار، لم يقابل فيها بين ما جاء في (التّعليق) وما جاء في (أمالي القالي) "(2)
إذن رغم العلمية التي تميّز بها عمل السّيّد السّنوسي، فإنّ الدّكتور أحمد درويش سجّل عليه نقصًا في التّوثيق، وفي صحّة بعض الأخبار التي وردت في عمله؛ بالمقاربة مع المصدر الذي نقل منه. فرغم التّحرّي والحرص على الدّقّة، فإنّه وقع في بعض الأخطاء، التي تسيء إلى شخصية ابن دريد. ذكر أحمد درويش نماذج منها.
إذا كانت هذه الأخطاء قد وقعت ممّن اجتهد في أن يكون أمينًا في عمله، وجادًّا في تحقيقاته، فكيف يكون الأمر مع الأعمال المرتجلة، الفاقدة لشروط البحث العلمي. وقد أصاب ابنَ دريد منها نصيبٌ؟! فكيف نتعامل مع شخصية ابن دريد الأدبية بخاصّة، ومع أحاديثه بصفة أخصّ إذا كان كثير منها غائب عنّا؟ هذا ما اضطرّ الدّكتور أحمد درويش أن يتناول أحاديث ابن دريد بمنهج خاصّ، عماده تجميع أشلاء متناثرة، وإعادة تنظيمها لتقدّم الصّورة المرجوّة والمنشودة لأحاديث ابن دريد. عرضها وقدّمها في مبحث عنوانه: " محاولة لتجسيد نصّ أدبي غائب "(3)
ذكر أحمد درويش مجموعة من المصادر التي تتوفّر فيها آثار ابن دريد النّثرية. منها: (ملحق بأمالي ابن دريد في أمالي القالي ومزهر السّيوطي). وأبدى تحفّظه ممّا ورد في الملحق، الذي ذيّل به السّيّد السّنوسي كتاب (تعليق من أمالي ابن دريد)، ثمّ قال: " … وقد ظلّت حكمة وجود هذا الملحق، أو على الأقلّ الجزء الخاصّ منه بأمالي القالي خافية عليّ "(4)
" إذا كان هذا هو مجمل الآثار النّثرية المعروفة في الكتب المنسوبة إلى ابن دريد، فإنّ هناك آثارًا نثرية أخرى وجدت في كتب علماء، ردّدوا أو نقلوا عنه. ومن بين هذه الكتب كتاب (قطوف الوريد)، الذي لخّص فيه جلال الدّين السّيوطي (أمالي ابن دريد)، وأشار إليه حاجي خليفة، وكذلك (المزهر) للسّيوطي، الذي وردت فيه روايات كثيرة عن ابن دريد، أشار محقّق (التّعليق) إلى أنّها أكثر من مائة وخمسين خبرًا "(5)
لكنّ المصدر الأساس لأحاديث ابن دريد والرّوايات والأخبار المنسوبة إليه يظلّ كتاب تلميذه الوفيّ أبي علي القالي (الأمالي)، الذي أملاه بدوره على من كان يحضر مجلسه أيّام الخميس في مسجد قرطبة بالأندلس. " … ولقد مثّلت الأحاديث المنسوبة إلى ابن دريد نحو ثلث كتاب (الأمالي). وتردّد اسم ابن دريد في معظم صفحات الكتاب تردّدًا، يذكر بشيوع اسم سلفه الخليل بن أحمد على صفحات (الكتاب) لسيبويه "(6)
وجود المادة الأوّلية من نثر ابن دريد في هذه المصادر المعتمدة في الأدب، وبخاصّة في كتاب (أمالي القالي)، الذي تمثّل أحاديث ابن دريد ثلث الكتاب، وهو يعدّ أحد المصادر الأربعة الرّئيسة في الأدب (كما نصّ على ذلك القدماء)، وبرواية أحد المقرّبين إلى ابن دريد، التّلميذِ الوفيّ له أبي علي القالي. يعطي قيمة لهذه الأحاديث، كما يبعث في النّفس الثّقة في صحّة نسبتها إلى صاحبها. لكنّ هناك مشكلة منهجية تقف
(1) - المرجع السّابق، ص: 126، 127.
(2) - المرجع السّابق، ص: 127.
(3) - ينظر المرجع السّابق، ص: 122 – 133.
(4) - المرجع السّابق، ص: 128.
(5) - المرجع السّابق، ص: 128، 129. مرجع الدّكتور أحمد درويش في أغلب المعلومات عن مصادر الآثار النثرية لابن دريد كان السّيّد مصطفى السّنوسي في تحقيقه لـ (نعليق من أمالي ابن دريد).
(6) - المرجع السّابق، ص: 129.