سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١١٣نذكر بعض الموضوعات التي دارت فيها هذه الأحاديث من دون استقصائها كلّها. حسبُنا أن نقدّم صورة عمّا كان يشغل بال ابن دريد. ومن هذا العرض يمكن لنا تقويمها في مضمونها.
أوّلا: تناولت أحاديث ابن دريد جوانب شتّى من حياة الأعراب في البادية والحضر. وقد نوّع فيها ابن دريد بين ذكر الأعراب والكدية، والأعراب والحجّاب، والأعراب والنّوادر والطّرائف، التي تكشف عن جوانب كثيرة من شخصية الأعراب، فيها الحكمة والذّكاء والأناة، والرويّة والحلم والغضب، والبلاهة والغفلة، والشّمائل والفضائل …
هذه أمثلة من هذه الأحاديث:
1– أعرابيّ يسأل ويشكو حاله العسرة(1) روى أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: وقفَ علينا أعرابيّ ونحن بِرَمْلَةِ اللِّوَى فقال: رحِمَ الله امرَأً لَم تَمْجُجْ أُذُناهُ كلامي، وقدّمَ معاذَةً من سوءِ مقامي؛ فإنّ البلادَ مُجدبة، والحالَ مُسغِبة، والحياءَ زاجرٌ، يَمْنَعُ من كلامكم، والفقرَ عاذرٌ يدعو إلى إخبارِكُمْ، والدّعاءُ أحد الصّدقتين، فرحم الله امْرأً أمرَ بِمَيْرٍ، أو دعا بِخيرٍ، فقلتُ: ممّنْ أنت يرحمك الله؟ فقال: اللّهم غَفْرًا، سوءُ الاكتساب يَمنعُ من الانتساب."
2 – الأعرابي والكريم(2) روى أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: دخل أعرابيّ على خالد بن عبد الله القسري، فقال: أصلح الله الأميرَ، شيخٌ كبيرٌ حَدَتْهُ إليكَ باريَةُ العظام، ومُؤَرِّثَةُ الأسقامِ، ومطوّلَةُ الأعوام، فذهبتْ أموالُه، وذُعْذِعَتْ آبالُه، وتَغيّرتْ أحوالُه، فإن رأى الأميرُ أن يَجْبُرَهُ بفضلِه، ويَنْعَشَهُ بِسَجْلِهِ، ويرُدّهُ إلى أَهلِه. فقال: كلُّ ذلك، فأمر له بعشرة آلاف درهم."(3)
يكشف الحديثان عن جانب بارز ومهمّ من شخصية الأعراب وهو التّعبير الدّقيق الفصيح، والتّحلّي بالحياء في عرض الحال، وطلب المعونة والإغاثة.
(1) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 138.
(2) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 46.
(3) - ذُعْذِعَتْ: فُرِّقَتْ. السَّجْلُ: الدّلوُ التي فيها ماء.