سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١١٤

3 – أعرابي يصف الجدب والمطر.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، عن الأصمعي قال: سمعت أعرابيًا من غَنِيّ يذكر مطرًا صابَ بلادهم في غِبِّ جدْبٍ، فقال: تَدارَكَ رَبُّكَ خلْقَهُ، وقدْ كَلِبَتْ الأمْحال، وتقاصرت الآمال، وعكفَ اليأْس، وكُظِمت الأنفاس، وأصبحَ الماشي مُصرِما، والمُتْرِب مُعْدِما، وَجُفِيَت الحلائل، وامْتُهِنت العقائل، فأنْشَأَ سَحابًا رُكاما، كَنَهْورًا سَجَّاما، بُروقه مُتألِّقة، ورُعودُه مُتَقعْقِعَة، فَسَحَّ ساجِيًا راكِدا، ثلاثًا غيرَ ذي فُواقٍ؛ ثُمَّ أمَرَ رَبُّك الشّمالَ فَطَحَرَتْ رُكامَه، وفَرّقت جَهامَه، فانقشعَ مَحمودا، وقدْ أَحْيَا وأغْنَى، وجادَ فَأَرْوَى، والحمد لله الذي لا تُكَتُّ نِعمُه، ولا تَنْفَدُ قِسَمُه، ولا يَخِيبُ سائِلُه، ولا يَنْزُرُ نائِلُه."

في هذا الحديث تظهر قوّة اللّغة، وحسنُ الصّياغة، ودقّة الوصف، وبراعة الاستقصاء، مع الإيجاز في التّعبير، واختيار النّقط البارزة في المشهد، التي تقدّم الصّورة الحقيقية للموصوف، إلى جانب الموسيقى المتولّدة من الجمل القصيرة المتتابعة، والنّبر النّابع من تكرار الأصوات المتشابهة، أو المتقاربة في المخارج والصّفات، والسّجع غير المتكلّف، الذي جاء منسجمًا مع المشاعر المتدفّقة والأحاسيس الصّادقة …

إضافة إلى العاطفة الدّينية التي ارتسمت على هذه اللّوحة الفنّية في هذا الحديث المختصر البليغ. إذ كان ما حدث من الغوث بالمطر بعد المحل والجدب، هو من عند الله المنّان الكريم الرّحيم، فاستوجب الحمد على نعمه التي لا تُكتُّ ولا تنفد. وهو ما نبّه ودعا إليه الأعرابي.

بِهذا النّموذج يقدّم لنا ابن دريد صورة عن بلاغة الأعراب وفصاحتهم، وعلى قدرتهم على الوصف الجيّد، وعلى باعهم الكبير في اللّغة ومفرداتها.

4 - عن ذكاء الأعراب وفطنتهم، حدّث ابن دريد عن حسن التّخلّص في المواقف الحرجة. قال أبو عليّ القالي: " حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن يحي قال: ذَكر أعرابيّ رجلاً فقال: ما له لَمَجَ أمَّه، فرفعوهُ إلى السّلطان، فقال: إنّما قلتُ: مَلَجَ أُمّه. قال أبو بكر، قال أبو العبّاس: لَمَجَها: نَكحَها. ومَلَجَها: رَضَعها."(2)

(1) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 173.كَلِبَتْ: اشتدّت. الماشي: صاحب الماشية. المُصرِمُ: المعدم: قليل المال. المُتربُ: الغنيّ الذي له من المال مثل التّراب كثرةً. الكنَهْوَر: قطع كالجبال. طَحَرتْ: أذهبت وأبعدتْ. الجهام: السّحاب الذي قد هراقَ ماءَه. تُكتُّ: تُحصَى. يَنْزُرُ: بَقِلُّ.

(2) - المصدر السّابق، ص: 137.

١٠٣ / ١٥٣