سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٣

ينتجونه من أعمال. وكان منهم ابن دريد الأزدي. " ولعلّ السّمة الجامعة لعصر ابن دريد هي سمة الجمع بين المختلفات من أمور الثّقافة والعلم، ولا نقول المتضادّات. هذه السّمة هي النّهل من كلّ مورد والإصدار من كلّ معطن، أو كما قال بعضهم. (الأخذ من كلّ شيء يطرف، وهو مفهوم الأدب لدى القدماء).

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ عصر ابن دريد كان عصر تكوين وتأسيس أو اكتمال البناء والتّأسيس، ورسوخ الفكرية والحضارية لدى المجتمع الإسلامي.

ولقد كان ابن دريد أحد المشاركين النّشطين بترسيخ ذلك البناء الشّامخ والصّرح السّامق للحضارة الإسلامية، من خلال مؤلّفاته الموسوعية …(1)

6 - التّيّار الفلسفي الذي ساد العصر الذي وجد فيه ابن دريد، شكّل جزءًا من الثّقافة التي تشبّع بها، وكان لها مردودها في نتاج ابن دريد. يقول الدّكتور أحمد درويش: " على أنّ رافدًا هامًّا من روافد التّكوين الثّقافي عند ابن دريد، لم يحظَ بعناية كافية من قبل دارسيه، هو الرّافد الفلسفي الذي شكّل تيّارًا عميقًا في ذلك العصر، وشكّل في بعض المراحل نمطًا ثقافيًا يتمّ من خلاله عادة المفاضلة أو المواجهة بين طائفتين، تعتزّ إحداها بالثّقافة العربية الإسلاميّة، وتعتزّ الثّانية بالثّقافة المستحدثة الوافدة، وتزهو بها على الطّائفة الأخرى. "(2)

هذه بعض العوامل التي أحاطت بنشأة ابن دريد، وقامت شاهدًا على ما بذله من جهد ليتعلّم، ودليلاً على ما حظي به من ظروف وشروط مناسبة لكي يتكوّن، إلاّ أنّ الدّور الكبير في تكوّنه ونشأته العلميّة المتميّزة كان على أيدي شيوخ كبار، شُهدَ لهم بالتّفوّق وغزارة العلم، والمكانة العالية في مجتمعاتهم.

ج – شيوخه

عاش ابن دريد في عصر ازدهرت فيه الثّقافة، وتعدّدت مشاربها ومنابعها، وتنوّعت أشكالها وألوانها، والتقى بعلماء مختلفي التّخصّصات، وتخرّج على أيدي مشايخ فطاحل: أساطين في اللّغة، وجهابذة في العلم، مبرّزبن في ميدان المعرفة. منهم من تلقّى عنه، ومنهم من روى له. عدّد له مصطفى السّنوسي حوالي اثنين وعشرين شيخا (22)

(1) - ابن دريد الأزدي، البحوث المقدّمة في ندوة من أعلامنا الرابعة، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابية، سلطنة عمان، 1412هـ/ 1991م، ص: 130.

(2) - المرجع السّابق، ص: 41. ينظر أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج2، ط5، دار الكتاب العربي، (د. ت)، ص: 260.

١٢ / ١٥٣