سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

يبتغون إلى كلّ صِلةٍ معروفٍ سببًا، ورأيتُ المودّة بين الصّالحين سريعًا اتّصالُها، بطيئًا انقطاعها، ككوب الذّهب سريع الإعادة، إن أصابه ثَلْمٌ أو كسرٌ. ورأيتُ المودّة بين الأشرار بطيئًا اتّصالُها، سريعًا انقطاعها، ككوب الفخّار، إن أصابه ثَلْمٌ أو كسرٌ، فلا إعادة له. ورأيتُ الكريمَ يَحْفظُ الكريمَ على اللِّقاءة الواحدة ومعرفة اليوم. ورأيتُ اللّئيمَ لا يحفظُ إلاّ رغبةً أو رهبَةً. "

10ـ وصفة هندية.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، قال: قال بعض علماء الهند: صُحبة السّلطان على ما فيها من العزّ والثّروة عظيمة الخِطار، وإنّما تُشبَّه بالجبل الوعر، فيه السّباع العادية، والثّمار الطّيّبة، فالارتقاء إليه شديد، والمُقامُ فيه أشدّ، وليس يتكافأُ خيرُ السّلطان وشرُّه؛ لأنّ خير السّلطان لا يعدو مزيدَ الحال، وشرّ السّلطان يُزيلُ الحال، ويُتلِفُ النَّفسَ التي لها طُلِبَ المزيد، ولا خير في الشّيء الذي سلامته مالٌ وجاه، وفي نكبته الجائحةُ والتّلف."

11 ـ حكيم من العجم.(2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن خضر عن حمّاد بن إسحاق الموصلي، قال: سَمِعتُ أبِي يقول: قال رجل من العجم لملك كان في دهره: أوصيك بأربع خلالٍ، تُرضِي بهنّ ربّك، وتُصلحُ بهنّ رعيّتك. لا يغرنّك ارتقاء السّهل، إذا كان المنحدرُ وَعْرًا، ولا تَعدنَّ عِدةً ليس في يدكَ وفاؤُها، واعلم أنّ لله نَقِماتٍ فكن على حذرٍ، واعلم أنّ للأعمال جزاءً فاتّقِ العواقب."

هذه الوصايا، التي جاءت على صورة حكم، قالها حكماء غير عرب، لا تختلف في مضمونها وفي عمقها ومغازيها عمّا حدّث به أبو بكر بن دريد من حكم العرب. ممّا يدلّ على أنّ الفطرة الإنسانية تدعو وتهدي إلى ما هو أقوم وأسدّ وأنفع وأصلح للبشر، فما على المرء إلاّ أن يستجيب لهذه الفطرة. كما أنّ ما قام به ابن دريد، من رواية دررٍ، ممّا قرأه أو سمعه عن الأمم غير العربية يدلُّ على تفتّحه على الثّقافات الأخرى. وهو أحد عوامل تكوّنه وتثقّفه. كما لاحظ وسجّل ذلك الدّارسون والباحثون.

في ختام الحديث عن عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد نقول:

1 - إنّ الحكم التي انتقاها ابن دريد، وحدّث بها ورواها، تعكس شخصيته المنطوية على القوّة وحبّ الخير، وتقديم يد المساعدة للنّشء بخاصّة؛ كي يبني شخصيته على أسس صحيحة متينة. كما تهدف إلى توجيه المجتمع إلى طرق الإصلاح والتّطهير وإزالة ما يعوق سيره وبناءَه على قواعد سليمة.

(1) - المصدر السّابق، ج2، ص: 121.

(2) - المصدر السّابق، ج1، ص: 254

١١٥ / ١٥٣