سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

2 – ورود الغريب في الأحاديث

تكثر في أحاديث ابن دريد الكلمات الغريبة، بل الحوشية أحيانًا. كثيرًا ما نعثر في كتاب الأمالي على عناوين لأحاديث هكذا: " تفسير ما جاء من الغريب في حديث … أو شرح الغريب من ذلك …

قد يكون اهتمام ابن دريد بالتّعليم، وحرصه على التّوجيه عاملا كبيرًا في انتحائه هذا المنحى، " فهو حين يهدف إلى بيان أصل اللّغة، ويبغي نفض الغبار عن الكلمات التي تنوسيت، يعمد إلى الإكثار من الكلمات الغريبة، ليلقّنها النّاشئة … "(1)

أ - أورد أبو عليّ القالي الحديث الآتي تحت عنوان " مطلب تفسير ما جاء من الغريب في وصف الغلام للعنز التي كان ينشدها": " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه عن أبي عمرو بن العلاء، قال: رأيتُ باليمن غلامًا من جَرْمٍ ينشُدُ عنزًا، فقلت: صفها يا غلام، قال: حسْراءُ مُقبلة، شعْراءُ مُدبرة، ما بين غُثْرَةِ الدُّهْسَةِ، وقُنُوءِ الدُّبسة، سَجحاء الخدّين، خطلاء الأذنين، فَشْقَاءُ الصُّورَيْن، كأنّ زَنْمَتَيْها تَتْوَا قُلَنْسيَة، يا لها أمَّ عِيالٍ، وثِمالَ مالٍ."(2)

بعض المفردات في الحديث غريبة، في حاجة إلى شرح، بل بعضها صعب النّطق. لا نشكّ أنّ ابن دريد قَصْدَ من الإتيان بهذا الحديث الذي اشتمل على هذه الكلمات الغريبة كان تعليمَ النّاشئة اللّغةَ العربية مروية عن الأعراب الأقحاح، الذين عاشوا بعيدين عن تأثير الحضر. بدليل إيراد الحديث منقولاً عن أبي عمرو بن العلاء، الذي كان من بين الرّجال الذين قصدوا البوادي والبيئات العربية الأصيلة لجمع اللّغة العربية. قد يكون هذا الحديث من ضمن ما جمع في رحلاته تلك للغرض المذكور. وطلبُه الغلامَ أن يصف له العنز، كان ليسمع منه اللّغة الصّحيحة، فيدوّنها في مدوّنته.

ب - أورد أبو عليّ القالي – أيضًا - الحديث الآتي تحت عنوان " مطلب خطبة الأعرابي السّائل في المسجد الحرام وشرح غريب ذلك": " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: أخبرنا أبو زيد، قال: بَيْنَا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابي، فقال: يا مسلمون، إنّ الحمد لله والصّلاة على نبيّه، إنّي امرؤٌ من أهل هذا الِملْطاط الشّرقي المُواصي أسيافَ تِهامة، عَكَفتْ عليَّ سنون مُحُشٌ، فاجْتَبَّت الذُّرَى، وَهَشَمَت

(1) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، ابن دريد العالم المعلّم (مخطوط)، سنة 1411هـ/ 1991م، ص: 21. طبع الكتاب في مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان،

(2) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 34. ينظر الصّفحة نفسها معاني الكلمات الآتية: غُثرة: غُبرة كَدِرة. الدُّهسة: لون كلون الدَّهاس، قال الأصمعي: والدَّهاس من الرّمل: كلّ ليّن لا يبلغ أن يكون رملاً، وليس بتراب ولا طين. القُنوءُ: شدّة الحمرة.

١٢١ / ١٥٣