سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

العُرَى، وَحَمَشَت النًّجْم، وأَعْجَتِ البَهْمَ، وهمَّت الشّحْمَ، والْتَحَبَتِ اللَّحْمَ، وأَحْجَنَتِ العَظْمَ، وغادَرَتِ التُّرابَ مَوْرًا، والماءَ غَوْرًا، والنّاسَ أوزاعًا، والنَّبَطَ قُعاعًا، والضَّهْلَ جُزاعًا، والمقامَ جعْجاعًا، يُصَبِّحُنا الهاوي، ويَطرُقُنا العاوي، فَخَرجتُ لا أَتَلَفَّعُ بِوَصيدَة، ولا أتَقَوَّتُ هَبيدَة، فالبَخَصاتُ وَقِعَة، والرُّكباتُ زَلِعَة، والأطْرافُ قَفِعَة، والجِسمُ مُسْلَهِمٌّ، والنَّظَرُ مُدْرَهِمٌّ، أَعْشُو فَأَغْطَشُ، وَأضْحَى فَأَخْفَشُ، أُسْهِلُ ظالعًا، وأُحْزِنُ راكِعًا، فهل من آمرٍ بِمَيْرٍ؟ أو داعٍ بِخيرٍ؟ وقاكم الله سطوة القادر، وملكةَ الكاهر، وسوء الموارد، وفُضوح المصادر. قال: فأعطيته دينارًا، وكتبتُ كلامه، واستفسرته ما لم أعرفه."(1)

لا يخفى على القارئ ما اشتمل عليه الحديث من المفردات الغريبة. كما لا يغيب عنه قصد ابن دريد إلى تلقين المتلقّينِ عنه اللّغةَ العربية، وإحياءِ الألفاظ، التي قد تنسى، بسبب عدم تناولها، أو شعور النّاس بصعوبة النّطق بها، أو لاستثقالها. هذا ما قد يفهم من العبارة التي خُتِمَ به الحديث " وكتبت كلامه واستفسرته ما لم أعرفه."

3 – الإكثار من رواية الأحاديث التي تتضمّن أشعارًا

هذه ظاهرة لافتة للنّظر في أحاديث ابن دريد، تفسير ذلك عندي أنّ العرب أمّة شاعرة، وأمّة تتذوّق الشّعر، وتراه الدّم الذي تعيش به، ولهذا كان الشّعر يسري في شريان حياتها، ويتمدّد في مسالك حركاتها، وقد لا يجد المتحدّث وسيلة للإفصاح عن مشاعره أحسن من الشّعر، حتّى ولو حدّث نثرًا مزجه بشعر. وابن دريد لا يخرج عن هذا السَّنَن، ولا يشذّ عن القاعدة، ولا يندّ عن الطّابع العام. زيادة على كونه شاعرًا يقول الشّعر، ويرويه. الأمثلة على ذلك كثيرة، لا حاجة للتّمثيل لهذه الخصّيصة.

4 – النّزعة العقلية في الأحاديث

بعض الأحاديث التي حدّث بها ابن دريد نلمح فيها النّزعة العقلية، التي تتّخذ التّأمّلات مسلكًا، تحقِّقُ في الأشياء، أو تقرّر الحقائق، أو تدعو إلى النّظر والاعتبار … وكثيرًا ما نلتقي مع هذه الخاصيّة في الحكم والمواعظ. نذكر بعض النّماذج عنها:

أ ـ قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: بلغني أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: إنّما المرءُ في الدّنيا غرضٌ تنتَضِلُ فيه المنايا، ونهبٌ للمصائب، ومع كلّ جَرعَةٍ شَرَقٌ، وفي كلّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ، ولا ينال العبدُ فيها نعمَةً إلاّ بفراقِ أُخرَى، ولا يستقبل يومًا من عمره إلاّ بِهدْم آخر من أجَلِه. فنحنُ أعوانُ الحُتوف، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء،

(1) - المصدر السّابق، ص: 113، 114.

١٢٢ / ١٥٣