سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٣٧وهذا اللّيل والنّهار لم يرفعَا من شيءٍ شرَفًا، إلاّ أَسْرَعَا الكرَّةَ في هدمِ ما بَنَيَا، وتفريق ما جَمعَا، فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنّ خيرًا من الخير معطيه، وشرًّا من الشَّرِّ فاعِلُه."(1)
هذه التّقريرات التي سجّلها عليّ بن أبي طالب هي نتاج عقله، الذي أوصله إليها بعد تأمّله في الحياة الدّنيا، وملاحظاته لما يحدث للنّاس فيها، وإدراك العواقب التي آلوا إليها. فوجّه عقول النّاس للتّأمّل في مسير هذه الحياة، واتّخاذ مواقف تستجيب لما يُمليه العقل، وتحديد ما يقدّم لها من جهد وعمل، بما يتناسب مع حجم ما تستحقّه، وما يتطلّبه المكوث فيها … هذا التّوجيه الذي حدّده العقل يؤكّده ما جاء في نهاية الحديث نتيجةً منطقيةً عقليةً: "فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنّ خيرًا من الخير مُعطيه، وشرًّا من الشّرّ فاعلُه".
ب ـ قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: بلغني أنّه وُلِدَ للحسن البصري غلامٌ، فهنّأه بعض أصحابه، فقال الحسن: نَحْمَدُ الله على هِبَتِه، ونستزيدُه من نعمته، ولا مرحبًا بِمن إن كنتُ غنِيًّا أذهلَني، وإن كنت فقيرًا أتْعبني، لا أرضَى له بِسعْيِي سَعْيًا، ولا بِكَدِّي له في الحياة كَدًّا، أُشفق عليه من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصلُ إليّ من هَمِّه حزنٌ، ولا من فرحه سرور."(2)
رغم أنّ ما ذهب إليه الحسن البصري وجهة نظر، في حاجة إلى مناقشة ونقد. فإنّ النّظرة - أصلا - هي نتاج عقلي، تدعو إلى التّأمّل فيما يقدّم - قولاً كان أو فعلاً - بعين فاحصة ناقدة، وبِمنظار مكبّر، يصنعهما العقل. كما أنّ ما أضفى على الحديث سِمة عقلية المقابلةُ التي أجراها الحسن البصري بين الأشياء والحالات وما ينتج عنها: (الغنى والفقر، الهمّ والفرح، الحزن والسّرور).
ج ـ قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: قعد المأمون الحارثي في نادي قومه، فنظر إلى السّماء والنّجوم، ثمّ أَفْكَرَ طويلاً، ثمّ قال: أرْعُوني أسْماعَكم، وأصْغُوا إليّ قلوبَكُمْ، يبلغ الوعظُ منكم حيثُ أُريد، طَمَحَ الأهواء الأشَرّ، ورانَ على القُلوبِ الكدر، وطَخْطَخَ الجهلُ النّظر، إنّ فيما نرى لَمُعتبرًا، لِمن اعتبر؛ أرضٌ موضوعة، وسماءٌ مرفوعة، وشمسٌ تطلعُ وتغرب، ونجوم تسري فَتَعْزُب، وقمر تُطْلعُه النّحور، وَتَمْحقهُ أدبارُ الشّهور،