سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٣٨وعاجزٌ مُثْرٍ، وَحُولٌ مُكْدٍ، وشابٌ مُخْتَضَر، ويَفَنٌ قد غبر، وراحلون لا يؤوبون، وموقوفون لا يُفرِّطون، ومطرٌ يرسَلُ بِقدر، فيحيي البشر، ويورق الشّجر، ويطلع الثّمر، وينبتُ الزّهر، وماءٌ يتفجّر من الصّخر الأيَر، فَيَصْدَعُ المدر عن أفنان الخُضَر، فيُحيي الأنام، ويشبع السّوام، ويُنمي الأنعام. إنّ في ذلك لأوضح الدّلائل على المُدَبِّر المُقَدِّر، البارئ المُصوِّر، يا أَيُّتها العقولُ النّافرة، والقلوب النّاثرة، أنَّى تُؤْفكون، وعن أيّ سبيل تَعمهون؟ وفي أيّ حيرة تهيمون؟ وإلى أيّ غاية توفضون؟ لو كُشفت الأغطية عن القلوب، وتجلّت الغشاوة عن العيون، لَصَرَّح الشَّكُّ عن اليقين، وأفاق عن نشوة الجهالة، من استَولت عليه الضَّلالة. "(1)
الجانب العقلي واضح في الحديث. من آيات ذلك:
* توجيه النّظر إلى التَّفكّر في مخلوقات الله، والتّأمّل في حركة الكون. عجّل صاحب الحديث، فقال: إنّ في ذلك لأوضح الدّلائل على المدبّر المقدّر … ثمّ الدّعوة إلى النّظر إلى مآل خلق الله، والاعتبار بذلك.
* تنبيه العقول والقلوب إلى التأمّل والنّظر والاعتبار، كما جاء في العبارات الآتية: (أنّى تؤفكون، وعن أيّ سبيل تعمهون وفي أيّ حيرة تهيمون، وإلى أيّ غاية توفضون … إلى آخر ما جاء في النّصّ).
* وردت فيه كلمات تحمل السّمة العقلية: (فنظر، أَفْكَرَ طويلاً، لَمُعتبر لمن اعتبر … )
هذه بعض الإشارات التي وردت في الحديث السّابق، تقوم دليلاً على أنّ بعض أحاديث ابن دريد تحمل سمات عقلية، الغرض منها تدريب العقول على التّأمّل، وتوجيهها للنّظر، وتعليم النّاس بعض الحقائق بطريقة تبعث على الاقتناع.
5 – الإيجاز في بعض الأحاديث
يبرز هذا الإيجاز في مظاهر متعدّدة:
أ - قد يكون على شكل تقرير حقائق، القصد منه التّعريف الدّقيق، كما جاء على لسان حِمْيري وهو يشخّص، ويقرّر معنى الدّاء، قال أبو عليّ القالي: " حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا السّكن بن سعيد، قال: قيل لرجل من حمير: ما الدّاءُ العضال؟ قال: هَوًى مُحْرِض، وحَسد مُمْرِض، وقلبٌ طروب، ولسانٌ كذوب، وسؤال كديد، ومنعٌ جَحيد، ورُشدٌ مُطَّرَح، وغنًى مُمْتَنَح."(2)