سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٤٠" ألاَ أيُّها النُّوّامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا "
أعرابيٌّ في شملةٍ، ثمَّ أدركه اللِّينُ وضَرْعُ الحُبِّ فقال:
" نُسائِلُكُمْ هلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ"
كأنّه والله من مُخنَّثي العقيق."(1)
هـ ملاحظات عامّة حول هذه الأحاديث
1 - بصفة ابن دريد رجل لغة ورواية، فإنّ أحاديثه اتّجهت اتّجاها تعليميّا؛ لذا نراه أحيانا يعمد إلى بعض المفردات الصّعبة والغريبة والحوشية، وإلى بعض التّراكيب المجازية والتّعابير مختلفة الوجوه – يظهر بها فصاحة لسانه وحسن بيانه – يسجّلها أوّلا ثمّ يلقّنها النّاشئة، كما فعل مع حديث الأعرابي الذي وقف في المسجد الحرام، يصف ما وقع فيه قومه من القحط، ويطلب الإحسان. ما يدلّ على هدف التّعليم، وأنّ ابن دريد كان يرغب في أن يدرّب النّاشئة على إتقان اللّغة، بمعرفة أصولها وغريبها وخفاياها، أنّه في نهاية الحديث يقول: فما كان من الرّاوي إلاّ أن أعطاه دينارا وقد أعجب بكلام الأعرابي، فكتبه بعد أن استفسر عن غوامضه.(2)
أراد بطريقة ذكيّة وجذّابة أن يلقّن اللّغةَ النّاشئةَ، فاخترع لها هذا الإطار. يقول مصطفى الشّكعة: " فأحاديث ابن دريد تعليميّة صرفة، والمقصود تلقين النّاشئة أصول اللّغة وغريبها، عن طريق الأحاديث الحوشية والجمل المليئة بالغريب والعجيب. "(3)
يقول بدر بن هلال اليحمدي: " ونخلص من هذه الأحاديث إلى أنّ ابن دريد هو أوّل من أبدع في مجال الأحاديث التّعليمية الهادفة لأجل تعليم النّاشئة اللّغة العربية بأسلوب جذّاب. وبألفاظ غريبة، تدخل في رصيدهم اللّغوي، وتكسوهم فصاحة في اللّسان وعلوًّا في البيان "(4)
(1) - المصدر السّابق، ص: 298.
(2) - المصدر السّابق، ج1، ص: 114.
(3) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 87.
(4) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 121.