سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٤١2 – يعمد ابن دريد أحيانا إلى رصف العبارات الأدبيّة المنمّقة إلى بعضها، فيكوّن منها نسيجا أدبيّا من الأساليب التي يريد تقديمها للمتلقّين، ليحقّق غرضه التّعليمي، وهو تقديم درس لغوي في نصّ أدبي، يتعرّف عليه المتعلّمون، ويحتذونه بعد ذلك.(1)
3 – ينزع في أحاديثه منزعًا تعليميًا لغويًا، بمعنى: إنّه يسوق الحكمة أو النّادرة، أو يروي الخبر، أو يقدّم النّصيحة … في قالب لغوي، قد يبدو غريبًا، ممّا يدفع بالمتلقّي أن يسأل عن معاني الألفاظ، فيشرحها له، وبذلك يتحقّق هدفه وهو تعليم النّاس اللّغة بخاصّة. فالغاية من أحاديثه هي التّعليم دائما، لكنّه أحيانا يقصد إلى نشر الفكرة وتقديم المعنى، وإرشاد المتعلّمين إلى سبل الخير وتوجيههم إلى التّحلّي بالأخلاق الحسنة. فهو لهذا يقدّم أحيانا الفكرة على اللّفظة، ويعنى بالمضمون أكثر من عنايته بالشّكل. وهو ما نلحظه في وصاياه بخاصّة.
4 – أحاديثه اهتمّت بحياة الأعراب وأخلاقهم، وأبطال الجاهليّة وصفاتهم وأيّامهم ومآثرهم. كما اهتمّت بتصوير الشّمائل العربيّة. يقول زكيّ مبارك: " إنّ ابن دريد اهتمّ بتصوير الشّمائل العربيّة، وكلف بنوع خاصّ بتقديم طائفة من أحلام النّساء في فهم الرّجال، وإعجاب البنات بأعمال الآباء، وما يقع في الملاحاة بين الأزواج، والتّواصي بين الشّباب والكهول. كلّ ذلك بطريقة قويّة وأخّاذة، تجعل له مكانا بين العالمين بالغرائز وأهواء النّفوس."(2)
كأنّي بزكيّ مبارك يريد أن يبيّن براعة ابن دريد في التّصوير، وخبرته في وصف النّفوس، ومقدرته على الدّراسة النّفسيّة. وهدفه وغايته التي يرمي إليها هي تلقين النّاشئة الأخلاق العربيّة الأصيلة. إنّ هذا يعين على إبراز مكانة ابن دريد في نفوس العارفين للفضل لأهله، بدليل قوله: "تجعل له مكانا بين العالمين بالغرائز وأهواء النّفوس."
كما يؤكّد زكيّ مبارك بأنّ ابن دريد يكون أعمق تفكيرا وأحصف رأيا، وأصدق حديثا، وأدقّ تصويرا، وأكبر نفسا، حين يتحدّث عن شجعان العرب وفرسانهم، بل هو يتعقّب أعيان الجاهليّة فينطقهم بألوان من الحوار لكي يفهم الأجيال والأخلاف وكلّ العرب بما يجب أن يعرفوه عن أسلافهم، من الأخلاق والشّيم، التي يجب أن يتحلّوا بها، ليكونوا في مستوى هؤلاء. فنراه " ينطق بالحكمة وفصل الخطاب، فنراه تارة يقول على لسان أوس بن حارثة: المنيّة ولا الدّنيّة، والعتاب قبل العقاب، والتّجلّد لا التّبلّد، والقبر خير من الفقر، ومن قلّ ذلّ، ومن أمر فرّ، والدّهر يومان: فيوم لك ويوم عليك. ونراه أخرى ينطق رجلا أعمى من أزد السّراة، يقوده شابّ جميل، فيقول: يا أخي إنّ اغترارك بالشّباب كالتذاذك بسمادير الأحلام، ثمّ تنقشع فلا تتمسّك منها إلاّ بالحسرة عليها، ثمّ تعرى راحلة الصّبا، وتشرب سلوى الهوى، واعلم أنّ أغنى النّاس يومَ الفقر من قدّم ذخيرة، وأشدّهم اغتباطا يوم الحسرة من أحسن سريرة. "(3)
5– أحاديث ابن دريد تضمّنت وصايا مهمّة، تدلّ على أنّه عجم عود الدّنيا، وحلب أشطر الدّهر، فخرج منها بمواعظ وعبر، قدّمها للنّاس على شكل وصايا. فيها نظرات إلى الدّنيا، وما تحفل به من شرور، فعلى الإنسان إلاّ أن يحذرها، ويتّخذها طريقا إلى الآخرة فقط. تذكر الدّكتورة إكرام فاعور – على سبيل المثال – وصيّة عبد الله بن شدّاد لابنه: " ومن معاني هذه الوصيّة الإيمان بالله، بالإضافة إلى نظرة رحمة وعدل وتسامح وصراحة واستقامة ومروءة، نتيجة خبرة وحنكة، فكانت دستورا اجتماعيّا فاضلا، ولو اتّبع كلّ إنسان هذه النّصائح لوصل إلى رتبة الكمال وصفاء الرّوح. "(4)
6 – يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " والنّاظر في هذه الأحاديث يجدها متنوّعة الموضوعات، ولكنّها مستقاة كلّها من البيئة العربية، حضرية كانت أم بدوية، ولو أنّ أغلبها يتحدّث عن البيئة الصّحراوية، ولكنّ الجامع بينها هو الهدف الذي ترمي إليه جميعها، وهو بثّ الأخلاق الفاضلة، والنّظرة السّليمة إلى الحياة، على أساس مراعاة جانب الله في كلّ عمل، والتّعامل بالحسنى بين النّاس، ونرى ابن دريد كثير الإلحاح على أنّ رأس مال الإنسان هو التّقوى والعمل الصّالح، ممّا يدلّ على تغلغل الإيمان في قلبه، رغم ما قيل عنه من رقّة في الدّين، وميل إلى اللّهو والاستهتار "(5)
7– يُعنَي بتضمين أحاديثه الآيات القرآنية والأحاديث النّبوية والشّعر والحكم والأمثال. يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " وثمّة تأثّر ظاهر بأسلوب القرآن
(1) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 89. تتمثّل هذه الملاحظة وتظهر في حديث الأعرابي، ينظر تحليلا لها وتفصيلا عنها المرجع المذكور، ص: 83 – 90.
(2) - النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 231، 232.
(3) - المرجع السّابق، ص: 232.
(4) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 95. تراجع الوصيّة وتحليلها في المرجع نفسه، للوقوف على المعاني الدّينيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، وعلى النّواحي العمليّة المختلفة التي تعين على الاستقامة.
(5) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 163.