سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٤٢الكريم الذي يبدو تشرّب ابن دريد له واضحًا من خلال الصّيغ القصيرة المتوازنة الحريصة على الجرس الموسيقي، الهادفة إلى الإيجاز والوضوح قدر الإمكان. من هنا يمكننا القول: إنّ الهدف التّعليمي في هذه الأحاديث يتجسّد في المبنى والمعنى "(1)
مجمل ما يمكن قوله في أحاديث ابن دريد: إنّها تكشف عن براعة صاحبها في الكتابة، والتّمرّس على الأساليب المختلفة فيها، والتّحكّم في الصّياغة. فهو يعمد إلى الغريب والحوشي، كما ينحو منحى البساطة والسّهولة في الكتابة. وهو بذلك يتّبع أسلوبَ لكلّ مقام مقال، ما دام المنطلق والهدف – في آن واحد – هو التّعليم. إنّه يراعي مقام من يخاطبهم، وطبيعة الموضوع الذي يعالجه. فهو حين يهدف إلى بيان أصل اللّغة، ويبغي نفض الغبار عن الكلمات التي تنوسيت، يعمد إلى الإكثار من الغريب منها؛ ليلقّنها النّاشئة، كما فعل في حديث الأعرابي الذي وقف في المسجد، أو في حديث وصف الفرس. قالت الدّكتورة إكرام فاعور: "فبعث ابن دريد في تلك الكلمات المحنّطة شيئا من روحه، تتغلغل في ألفاظه، فتتحوّل إلى طاقات إيحائيّة، تستهوي القارئ، ومن ثمّ تتمّ الفائدة. "(2)
بينما في وصيّة رجل أعمى من الأزد، اعتمد السّهولة في المعنى والمبنى؛ لأنّه في مقام عرض تجربة، وتقديم مكامن العبر والاستفادة منها لشاب هو في مقتبل العمر، مقبل على الدّنيا. مع ذلك اشتملت هذه الوصيّة على مفردات غريبة وحوشية، لكنّها كانت قليلة، لأنّ هدف تلقين اللّغة كان يصاحبه دائما، في كلّ نتاجه وتفكيره. وقد جمع في الوصيّة بين تهذيب النّفس وتهذيب اللّسان. مثل ذلك يقال عن حديث " خطبة الأحنف بن قيس ".
إنّ أحاديث ابن دريد تحتلّ مكانة رائدة مهمّة وكبيرة في النّثر الأدبي العربي، بما تركته من آثار واضحة في تطويره عبر العصور، وبخاصّة في جانب القصّ أو القالب القصصي، الذي أفرز في الأحاديث أنماطًا من التّعبير والتّصوير، كالمشهد القصصي والموقف القصصي والحكاية ذات العناصر القصصية المتشابكة، التي تتداخل فيها الأزمنة أو الشّخصيات، ويطول فيها الحدث نسبيًا، وتكتمل عناصره ..(3)
(1) - المرجع السّابق، ص: 166.
(2) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 103.
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 110.ينظر أيضًا د. أحمد درويش، ابن دريد رائد فن القصّة العربية. ودراسة الدّكتور وليد غبور، " الإبداع القصصي لابن دريد الأزدي بين التّأثّر والتّأثير "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1591 – 1613.