سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

كما تدلّ على ذلك إشاراته إلى اللّغة الفارسية، والرّومية، والنّبطية، والحبشية، والهندية في كتاب الجمهرة "(1)

ما اتّصف به ابن دريد من صفات دفعت به إلى مصافّ الرّجال الكبار هي نتاج عبقرية منتجة مثمرة، تضافر على إيجادها استعداد فطري، وعمل دؤوب على تنميتها والعمل على تخصيبها فأنتجت علمًا وأدبًا وفنًّا … وأفرزت تميّزًا وتفوّقًا. وفي هذا يقول علي بن محسن آل حفيظ مبيّنًا طبيعة هذه العبقرية، وموضّحًا العوامل التي ساعدت على وجودها، فكان منها الجديد المتجدّد من الأعمال والآراء والنّظريات:" … ونحسب أنّ عبقرية ابن دريد الأدبية واللّغوية مرجعها لسببين اثنين هما:

نقاوة عقلية ابن دريد، وسلامة سليقته العربية، حيث أنّه من بيئة صريحة في عروبتها، لم تلوّثها العجمة أو اللّكنة غير الفصيحة. زيادة على صفاء ذهني، يعمل على استيعاب العلم بسرعة كصفاء عُمان وتكويناتها الطّبيعيّة.

الأمر الثّاني أو السّبب الثّاني شيوخ العلم والأدب الذين نهل ابن دريد على أيديهم للاكتساب أكثر فأكثر من العلوم الأدبية واللّغوية … "(2)

4 - الأمانة العلمية:

سجّل الدّكتور محمد صالح ناصر ملاحظة مهمّة عن مؤلّفات ابن دريد، ترفع من مكانته وتثمّن مصنّفاته، هي الأمانة العلمية، التي تسمو بأخلاقه إلى الدّرجات العلى، وتسوّده في أوساط النّاس، وتصنع منه باحثًا نزيهًا منصفًا، محترمًا للعلم والعلماء. " والذي نطمئنّ إليه من خلال ما رأيناه في مؤلّفاته هو أنّ ابن دريد يتّصف بالتّحرّي العلمي الدّقيق؛ ممّا ينفي عنه كلّ شيءٍ يراد له من هذا الجانب. هذه الصّفة التي أهّلته ليحتلّ هذه المكانة العلمية المرموقة. وقد رويت عنه في هذا المجال أخبار يمكن أن تكون ردًّا حاسمًا على أولئك الذين اتّهموه بالاختلاق والتّلفيق والتّساهل في الرّواية "(3)

يقول عنه الدّكتور عبد السّميع محمد أحمد: " وابن دريد في معجمه أمين، ينقل عن العلماء ويتحدّث عن مصادره، فيذكر أسماء من ينقل عنهم، ويشير أحيانًا إلى

(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 171. ينظر المزهر، 1/ 279.

(2) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 160، 161.

(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 177.

١٣٨ / ١٥٣