سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٥٦الحضارة الإسلامية. 9– التّمتّع بتعدّد الميول والاهتمامات، فكان المعلّم، واللّغوي، والنّحوي، والرّاوية، والنّسّابة، والأديب، والمؤلّف …
من مجموع الصّفات، التي سجّلتها الدّكتورة في هذه الدّراسة القيّمة. وكلّها من مقوّمات الإبداع في الفكر بكلّ أشكاله وأنواعه … قالت: " … في كلّ ما ذكر تجلّت الصّفات الإبداعية، التي جعلت ابن دريد عالمًا بارزًا وهي: الحافظة القويّة، والذّاكرة الوفيّة لصاحبها، والطّلاقة اللّغويّة، والقدرة الابتكاريّة، وأصالة الأفكار والمعاني والألفاظ، والإكثار من المترادفات، وتوليد المعاني، والتّطوير، والإنتاج المتجدّد، وغزارة الألفاظ وتنوّعها، مع حسن … تصريفها، والمثابرة والاستمراريّة في البحث، وتقصّي دقائق الأمور، وتنوّع الميول والتّوجّهات، والقدرة على اللّعب بأساليب الكلام. كلّ هذا من المقوّمات العلميّة الإبداعيّة. "(1)
6 - الذّوق الشّخصي:
من الصّفات التي توفّرت عليها شخصية ابن دريد، وهي من شارات التميّز، التي تساعد وتعطي الفرصة، وتفسح المجال للإبداع، الذّوقُ الشّخصي، الذي يكون الفيصلَ في قبول كلام أو عبارة أو كلمة، أو رفضها وردّها: " وكانت حصيلة ذلك كلّه امتلاك ابن دريد موقفَا نقديًا واضحَا ورصينًا، يرتكز على فكر لغوي ناضج وأصيل … "(2)
الذّوق الشّخصي الرّفيع الذي تمتّع به ابن دريد، هو نتيجة لما يملكه من حسّ دقيق، وذكاء عميق، وقد ساعداه على تعمّق أسرار الحياة، وفهم طبائع النّاس، كما أدّيا به إلى تقديم الصّور الواقعية للأوضاع المعيشة، فجاءت معالجاته لها عميقة ودقيقة. نلمس آثار ذلك في أحاديثه، وفي الحكمة التي غلبت على نتاجه الإبداعي: شعرًا ونثرًا.
جـ زعامته
تمكّن ابن دريد بفضل ما تمتّع به من صفات ومميّزات – أتينا على ذكر بعضها فيما سبق – أن يتسنّم قمّة المجد، وأن يحتلّ مكانة مرموقة في قلوب النّاس، وأن يحظى بالزّعامة في كثير من المواطن والمجالات. نذكر بعضًا منها فيما يأتي:
1 – ابن دريد من بيت علم ورئاسة ومجد، كان أبوه من الرّؤساء وذوي اليسار، وكان عمّه الحسين بن دريد وجدّه " دريد" من العلماء، وقد روى عنهم الأخبار والأنساب. وكان أبوه " (حمامي) أوّل من أسلم من آبائه، وهو من السّبعين راكبا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة، لمّا بلغهم وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أدّوه. "(3)
2 – هو ممّن أكسب مدرسة البصرة شهرة وازدهارا، بفضل علمه الغزير وأديه الرّفيع، وبفضل ما تفرّد به من مسائل، وما قام به من تحقيقات كشفت عن عبقريّته ونبوغه. قال عمر، ابن سالم: " … وقد تمّت له في هذه المرحلة (المرحلة البصريّة الأخيرة) (301 – 308 هـ) زعامة مدرسة البصرة اللّغويّة، واعتبره المؤرّخون خير مدافع عن مجد المدينة العلمي. "(4)
3 – كان إماما في اللّغة والأدب في عصره، وكانت تفد عليه وفود الطّلبة والتّلاميذ من أنحاء العالم للتّلمذة عليه، وكانت تقصده العلماء لمساءلته في مسائل لغويّة وعلميّة، لتبحّره في العلم. قال عنه المسعودي: " كان ابن دريد ببغداد ممّن برع في زماننا هذا في الشّعر، وانتهى في اللّغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللّغة لم توجد في كتب المتقدّمين … وقال الكمال الأنباري، كان من أكابر علماء العربيّة، مقدّما في اللّغة وأنساب العرب وأشعارهم "(5)، وقال القالي كنت أسأله عن شكوكي في اللّغة(6)
4 – حظي ابن دريد بمكانة سامية عند رجال السّياسة؛ فقد تقلّد ديوان فارس في عهد آل ميكال، وكانت الكتب لا تصدر إلاّ بتوقيعه، ولا تنفذ الأوامر إلاّ بإشارة منه. هذه الزّعامة أكسبته دربة وتجربة في السّياسة، إلى جانب ما تعلّمه في عمان لمّا اطّلع على السّياسة الدّاخليّة لها.
كذلك كانت له حظوة عند بلاط المقتدر باللّه، إذ أكرم وفادته، وعيّنه واليا على سوق الأهواز(7) ثمّ أجرى له راتبا شهريّا، يتقاضاه إلى أن توفّاه الله. مجمل القول كان ابن دريد ذا مكانة معتبرة عند كثير من فئات المجتمع.
(1) - المرجع السّابق، ص: 116.
(2) - المرجع السّابق، ص: 225.
(3) - ديوان شعر ابن دريد، تحقيق محمد بدر الدّين العلوي، ص: 2. ينظر أيضا كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 4.
(4) - ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 12.
(5) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7.
(6) - المصدر السّابق، ص: 12، لقد كانت وفاة ابن دريد ووفاة متكلّم المعتزلة في يوم واحد، فقال النّاس: اليوم مات علم اللّغة وعلم الكلام.
(7) - ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 12.