سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٥٧

الفصل الخامس

مكانة ابن دريد العلميّة

نال ابن دريد مكانة علميّة مرموقة بين من يعرف للعلم قدره، وللعلماء أفضالهم؛ وذلك لدأبه وجدّه، وحرصه على التّحصيل، ثمّ لتفرّغه للتّعليم وإعداد الرّجال، وخدمة المعرفة واللّغة العربيّة بخاصّة.

1 - عن تعلّمه وتحصيله، يكفي أن نذكر أنّه تخرّج على أيدي علماء فطاحل: أساطين في اللّغة، وجهابذة في العلم، مبرّزبن في ميدان المعرفة. عدّد له مصطفى السّنوسي حوالي اثنين وعشرين شيخا (22) ومحقّق كتاب " الاشتقاق " تسعة عشر شيخا (19) بين من هو مشهور، ملأ اسمه الآفاق، وترك مؤلّفات مهمّة، ومن هو دون ذلك في الشّهرة. نسجّل أنّ هؤلاء الشّيوخ ليسوا سواء من حيث تأثيرهم في ابن دريد.

كان ابن دريد شديد الرّغبة في العلم والتّحصيل. تروى عنه هذه النّادرة: " قال السّمعاني سمعت الأمير أبا نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن أحمد الميكالي، يقول: تذاكرنا المنتزهات يوما وابن دريد حاضر، فقال بعضهم: أنزه الأماكن غوطة دمشق، وقال آخرون: بل نهر الأبلة، وقال آخرون: بل سفد سمرقد، وقال بعضهم: نهروان بغداد، وقال بعضهم: نوبهار بلخ، فقال: هذه منتزهات العيون، فأين أنتم من منتزهات القلوب، فقلنا وما هي يا أبا بكر؟ قال: (عيون الأخبار) للقتيبي، و (الزّهرة) لابن داود، و (قلق المشتاق) لابن طاهر، ثمّ أنشأ يقول:

وَمَنْ تَكُ نُزْهَتَهُ قَيْنَةٌ … وَكَأْسٌ تُحَثُّ وَكَأْسٌ تُصَبْ

فَنُزْهَتُنَا وَاسْتِرَاحَتُنَا … تَلَاقِي العُيُونِ وَدَرْسُ الكُتُبْ"(1)

(1) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 9، 10.

١٤١ / ١٥٣