سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

هذه النّادرة تثبت شغف ابن دريد ورغبته في التّحصيل، إذ كان لا يجد راحته ولا تطمئنّ نفسه إلاّ مع الكتب. هذه الميزة هي من عوامل تكوّنه وسعة علمه وتفوّقه بعد ذلك.

روى عنه أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر – رحمه اللّه – قال حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: سمع يونس رجلا ينشد:

اسْتَوْدَعَ العِلْمَ قِرْطَاسًا فَضَيَّعَهُ … وَبِئْسَ مُسْتَوْدَعُ العِلْمِ القَرَاطِيسُ

قال قاتله اللّه!! ما أشدّ صبابته بالعلم، وصيانته للحفظ، إنّ علمك من روحك، ومالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، ومالك صيانتك بدنك. "(1)

تعليق ابن دريد الظّريف على ملاحظة يونس، تكشف عن حبّه العميق للعلم، وعن حرصه الشّديد على صيانته، حتّى إنّه لم يرض بالقرطاس مستودعا، ورأى الرأس أولى بذلك. ولم يكتف بهذا بل قدّم إرشادا وتوجيها للمحافظة على العلم بوصفه – في الحرمة والقيمة – كالبدن الذي يجب المحافظة عليه وصيانته. هذا هو ابن دريد في حبّه العلمَ وشغفه به. بهذه الرّوح وهذه الإرادة كوّن نفسه، وتحصّل على زاد جمٍّ في العلم والمعرفة(2) أهّلته لأن يتصدّى للتّعليم بكفاية.

2 - كان شغوفا جدّا بهذه المهنة، وهذه المهمّة (التّعليم)، التي كان يراها أعزّ ما يمتهن، وما يشغل به نفسه. لحرصه على التّعليم كان يهتبل الفرص لذلك، ويوجد الوسائل إن لم تتوفّر، ويبتكر الطّرق إن لم تتهيّأ، وما يدلّ على تعشّقه مهنةَ التّعليم أنّه بقي وفيّا لها ولرسالته العلميّة إلى آخر رمق من حياته. يذكر أبو عليّ القالي: " كنت أسأله عن شكوكي في اللّغة وهو بهذه الحال – يعني مرض موته – فيردّ بأسرع من النّفس بالصّواب. وقال لي مرّة، وقد سألته عن بيت شعر: لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم."(3)

لهذه المكانة وهذا المستوى من الكفاية العلميّة والتّربويّة التي انتزعها ابن دريد، دعاه ابن ميكال ليكون مؤدّبا لابنه إسماعيل، وللسّبب نفسه عيّن له المقتدر باللّه راتبا شهريّا ليتفرّغ للعلم والتّعليم.

(1) - أمالي القالي، ج1، ص: 223.

(2) - لا ننسى ما لرحلاته من فوائد جمّة، فقد أكسبته علما وتجربة كبيرين، عزّزت مكانته بين العلماء والنّاس.

(3) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 12.

١٤٢ / ١٥٣