سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٦١

وجهوده العلمية ومؤلّفاته إلاّ أنّ كلّ كان قليلاً في حقّه، وفي حقّ العلم الذي تركه ذخيرة للمتعلّمين: " … وإذا أردنا تقييم [تقويم] حضور هذا العالم وأعماله على الشّبكة المعلوماتية فسنجدها غير مرضية، لا من حيث الكمّ، ولا من حيث الكيف. فهذا العلاّمة هو أكبر من أن يوصف في أسطر قليلة، في أحد مواقع الدّردشة، وشعره أكبر من أن يوضع جامدًا على صفحات (الواب)، دون دراسة ولا تحليل، وكتاب (الجمهرة) أهمّ من أن يجهله طلاّب العلم العربي، وقصيدته (المقصورة) هي حقًّا كما وصفها المتقدّمون معلمة للّغة العربية ومقوّمة للّسان "(1)

ما يستنتج من عرض مكانة ابن دريد العلمية العالية التي تبوّأها أنّها جاءت نتيجة حتمية وطبيعيّة، بعد طول مكابدته ومثابرته في التّحصيل العلمي. هذه المجاهدة والمغالبة وفّرت له ثقافة كبيرة متنوّعة، حصل عليها من شيوخ كبار لازمهم، ومن كثرة الرّحلات التي قام بها طلبًا للمعرفة في مظانها، ومن طول مكوثه أما م مجالس العلم يكرع منها، ومن كثرة مصاحبته للكتاب ينهل منه، ويأخذ الحكمة والفائدة، ويحفظ المأثورات المتنوّعة: بين القرآن، والحديث النّبوي، والشّعر الفصيح، والأمثال السّائرة، والحكم الماثورة … " ممّا أكسبه دراية باللّغة العربية، وتضلّعًا في علومها، وتعمّقًا في أسرارها، وإحاطة بقوانينها وخواصّها، ومعرفة لسنن العرب في كلامها، هذا فضلاً عمّا يتمتّع به من ملكة خاصّة في النّقد، أنضجها طول اشتغال باللّغة العربية، وتمرّس بأساليبها ونقدها ".(2)

هذه العوامل كوّنت منه شخصية علمية مرموقة، يضاف إليها ملازمته لميدان التّعليم طول حياته، وتكوينه لتلاميذ علماء، وهو مجال زاد من صقل تجاربه في مضمار العلم، فترسّخت قدماه فيه، فأنتج وأبدع في التّأليف والتّأصيل للمسائل العلمية، والتّجديد في مناهج الدّرس اللّغوي بخاصّة … فنال المكانة العلمية التي تليق بالعلماء العاملين. يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " شهرة بن دريد في اختصاصه أصبحت مضرب المثل، وبات علمًا يشار إليه بالبنان في المشرق والمغرب معًا، فكان الأدباء إذا أرادوا التّنويه بعالم في الميدان اللّغوي قارنوا شهرته بشهرة ابن دريد، كما قيل ذلك عن إمام اللّغة أبي بكر الزّبيدي الإشبيلي (إنّه بالمغرب بمنزلة ابن دريد بالمشرق) "(3)

قال عنه الدّكتور عودة أبو عودة: " أرى أنّ أبا بكر بن دريد كان جبلاً من جبال العلم الرّاسيات، وشيخًا من شيوخ اللّغة الكبار، وعالمًا جليلاً أحاط بمختلف علوم اللّغة والفوائد والأخبار والسّير والتّراجم والأصوات وغيرها … فإنّ ابن دريد كان أمّة، بغزارة علمه، وسعة ثقافته، وتنوّع إنتاجه، وإنّه ما زال يمدّ الثّقافة اللّغوية بفيض لا ينضب من علمه وإنتاجه وآثاره الخالدة "(4)

إذن إنّ ابن دريد كان متميّزًا في عطائه، أمّة بعلمه، وعلمًا قدّم صورة حيّة وصحيحة للعالم العالم، وكان ظاهرة علميّة فنّيّة متميّزة … من كلّ هذا استحقّ هذه المكانة العالية، التي احتلّها في النّفوس، واستوجب احترام المجتمع له، بكلّ أطيافه، وابتزّ شرف القدوة في ميدان العلم: تعلّمًا وتعليمًا، عبر العصور، فكان حقًّا عالم الفكر والحضارة …

يلخّص الدّكتور أحمد درويش شخصيّة ابن دريد ويشخّصها في العبارات الآتية: "وبين لحظة البداية المومضة، ولحظة النّهاية الموغلة يشهد العصر نشاط ذاكرة قويّة حافظة مقلبة مجدّدة، تطرق مجالات في الدّرس اللّغوي والأدبي، لم تكن معهودة، وتجدّد فيما كان مألوفًا، وتصل حبل البادية بالحاضرة، والشّمال بالجنوب، والثّقافة العربية بغيرها من الثّقافات، والعلم بالفنّ، وتملأُ الدّنيا، وتشغل النّاس، وتترك الدّنيا والنّاس بين راضٍ عنها أشدّ الرضا، وساخط عليها أبلغ السّخط، لكنّها في كلّ الأحوال لا تدع قارئًا ولا باحثًا يمرّ بالقرن الثّالث أو الرّابع، وهما عصب الحضارة الإسلامية، وإلاّ ويجد نفسه محتاجًا إلى أن يقف ويطيل الوقوف أمام هذه الظّاهرة العلمية الفنّية المتميّزة، ظاهرة أبي بكر بن الحسن بن دريد الأزدي."(5)

(1) - المرجع السّابق، ص: 54.

(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 225. ينظرالنّقد اللّغوي في معجمات القرن الرّابع للهجرة: 8. وتاريخ النّقد الأدبي عند العرب للدكتور عبد العزيز عتيق، بيروت، 1980م، ص: 314.

(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 185. ينظر المقّري، نفح الطّيب، ج3، ص: 476.

(4) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1282.

(5) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 16.

١٤٤ / ١٥٣