سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٢٩وجودها، والمنسوبات إليه ومدى صحّتها. وهو جهد ربّما يساعد بدوره على كشف جوانب أخرى من حياة هذا العالم الجليل "(1)
يقول علي بن محسن آل حفيظ: " فما خلّفه ابن دريد من تراث علمي وأدبي جعل العلماء والأدباء يذهبون بإطرائها كلّ مذهب وشأن، وذلك دليل على أنّ ابن دريد قديم في عصره، جديد في فكره وأدبه وعلمه، في كلّ زمان ومكان، وهذا ملمح التّجديد كما أرى … "(2)
و - مرضه ووفاته
أمضى ابن دريد عمرًا طويلا حافلا بجلائل الأعمال، غنيًا بالتّجارب، ثريًا بالأفكار التي أنتجته قريحته المخصبة … حياته كانت كلّها بين تعلّم وتعليم، ورحلة ومدارسة، ومكابدة ومجاهدة ومغالبة … حتّى بلغ من العمر عتيًّا، فضعفت قواه، وانهدّ جسمه، فأصبح لا يقوى على مقاومة ما يعرض لجسمه من طوارئ أو سقطات أو ضربات .. يروي عنه تلميذه المرزباني أنّه قال له: " سقطت من منزلي بفارس فانكسرت ترقوتي "(3)
" … وقبل وفاته بسنتين عرض له فالج، فسقيَ له التّرياق فبرئ منه، وصحّ وعاد كما كان إلى إسماع تلامذته وإملائه عليهم. ثمّ بعد حول تناول طعامًا ضارًّا، فعاوده الفالج، فكان يحرّك يديه حركة ضعيفة، وبطل [كذا] من محزمه إلى قدميه، فكان إذا دخل عليه داخل ضجّ لدخوله، وإن لم يصل إليه "(4)
كان - مع ما كان يعانيه من المرض - مرابطًا في مجالس العلم، متّقد الذّاكرة، حاضر الذّهن، يقدّم لتلاميذه ولمن يقصده ليسأله أو يطلب عنده فائدة علمية، يقدّم لهم أطايب المعرفة، وخلاصات تجاربه، لا يكترث بما يلمّ به، ولا يضعف أمام ما يصيبه من آلام وأسقام. بل كان يجيب سائليه عمّا يعرضون عليه من أسئلة علمية دقيقة، وهو في آخر لحظات حياته، كما يروي تلميذه أبو علي القالي. " وآخر شيء سألته عنه، جاوبني بأن قال: حال الجريض دون القريض. فكان هذا الكلام آخر ما سمعته منه.
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 58.
(2) - علي بن محسن آل حفيظ، " الآفاق الفكرية والحضارية في أدب ابن دريد "، ندوة من أعلامنا الرّابعة، ص: 138.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 61. نقلا عن معجم الأدباء، ج18، ص: 133.
(4) - المرجع نفسه، ينظر ديوان ابن دريد، تحقيق محمد العلوي، ص: 13. نقلاً عن ابن خلّكان، الوفيات، ج3، ص: 45.