سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٣٠هكذا ظلّ ابن دريد معلّمًا إلى آخر نفس في حياته، وكان من توفيق الله له أن يجلس للتّعليم قرابة ستّين سنة … "(1)
فارق محمد بن الحسن بن دريد الحياة في بغداد يوم الأربعاء لثماني عشرة ليلة خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة للهجرة.(2) تركت وفاته أثرًا كبيرًا في النّفوس، وحزنًا عميقًا في القلوب؛ لمكانته العلمية المرموقة، ولأعماله الجليلة التي خدم بها الفكر والحضارة الإسلاميين. وعدّ رحيله إلى العالم الآخر خسارة وفقدانًا لمن يخدم العالم الدّنيوي علميًا وثقافيًا.
يقول القفطي: " لمّا توفّي ابن دريد حملت جنازتُه إلى مقبرة الخيزران ليدفن فيها، وكان قد جاء في ذلك اليوم طشُّ مطر، وإذا بجنازة أبي هاشم عبد السّلام بن أبي علي الجبّائي، المتكلّم المعتزلي، فقال النّاس: اليوم مات علم اللّغة والكلام "(3)
مِمّن رثاه أبو الحسن أحمد بن جعفر، المعروف بجَحْظة البرمكي، وقد حضر دفنه، قال:
فقدتُ بابنِ دُريدٍ كُلَّ فائدَةٍ … لمَّا غَدَا ثالثَ الأحْجارِ والتُّرَب
وَكُنْتُ أَبْكِي لِفَقْد الجُودِ مُنْفَرِدًا … فَصِرْتُ أَبْكِي لِفَقْدِ الجُودِ والأَدَبِ(4)
هـ - عمانيته
من المسائل التي أثارت جدلا كبيرًا بين الدّارسين، علاقة ابن دريد بعمان؛ نشأة وانتماء وهوية وشخصية … هناك من يراه عمانيًا في مولده ونشأته وهويته ومذهبه، وآخرون ينفون عنه كلّ صلة بعمان، لا من قريب أو بعيد، ومنهم من يوزّعه بين البصرة وعمان، مولدًا ونشأة ووجدانًا وحركة علمية …
نقول في البداية: إنَّ في المراجع والمصادر التي تناولت شخصية ابن دريد ما يقوّي جانب عمانيته. " ويذكر الخطيب البغدادي أيضًا أنّ ابن دريد ذكر نسبه حتّى وصل به إلى قحطان … وحينما بلغ (حمامي) ذكر أنّه أوّل من أسلم من آبائي. وهو من السّبعين راكبًا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة، لمّا بلغهم وفاة رسول الله
(1) - المرجع السّابق، ص: 62.
(2) - هذا التّاريخ ما تتّفق عليه أغلب المصادر التي ترجمت لابن دريد، ولم يشذّ عن هذا إلاّ القليل.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 92.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص 63.