سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٣٢

سنة 16 هـ، قدم إليه نفر من العمانيّين كان منهم كعب بن سور، الذي عيّنه عمر بن الخطّاب قاضيًا عليها، وأخذت البصرة تنمو تجاريًا وعلميًا وسكانيًا، وقويت مع الأيّام صلتها بعمان. " وكانت الصّلة روحية قوية، ففي البصرة ترعرع المذهب الإباضي، ونما على يد جابر بن زيد الأزدي العماني، ومنها طار حملة العلم إلى المشرق والمغرب، حتّى شبّهوا العلم بطائر، باض بالمدينة، وفرّخ بالبصرة، وطار إلى عمان"(1)

4 - يقول عيسى يحي الباروني محقّق كتاب الجامع للشّيخ ابن بركة البهلوي: " وقد كان وفد كثير من أهل عمان البصرة لأجل الاغتراف من علوم الشّر يعة الإسلامية. … إذ البصرة في ذلك العهد المشرق قبلة طلاّب العلم، وقد نبغ كثير من أهل عمان في البصرة، وألّفوا الكتب القيّمة في اللّغة والسّنّة النّبوية وعلوم الشّريعة الإسلامية، مثل الرّبيع بن حبيب، صاحب (الجامع الصّحيح) والخليل بن أحمد، صاحب كتاب (العين)، ومنهم أبر بكر محمد بن الحسن الأزدي، صاحب (الجمهرة)، وأبو العبّاس المبرّد، صاحب كتاب (الكامل) … وقد أصاب من شبّه العلم بطائر باض في المدينة وفرّخ في البصرة وطار إلى عمان "(2)

5 - العلاقة بين عمان والبصرة توطّدت علميًا وتجاريًا واقتصاديًا؛ فأصبح تنقّل الأشخاص والبضائع بين الجهتين يتمّ بشكل طبيعي وباستمرار؛ فتكوّن مجتمع عماني بصري، يصعب أحيانًا معرفة الرّجل أهو بصري أم عماني، وهو ما حدث مع ابن دريد، في اختلاف نسبته إلى البصرة أو إلى عمان. ومن مظاهر الاندماج بين الموطنين أنّ كلاّ منهما كان ملاذًا للمضطهدين في الجهتين. مثلا حين قامت ثورة الزّنج في البصرة لجأ كثير من العمانيّين البصريّين إلى عمان، وحين غزا محمد ابن نور عُمان فرّ بعض العمانيّين من عمان، وكان من بين مواطن الملاذ البصرة.(3)

6 - كان التّعاون في مختلف المجالات قائمًا بين البصرة وعمان، ونتج عنه ازدهار حضاري كبير. قال الدّكتور محمد صالح ناصر: " هذا التّفتّح على العالم الخارجي لكلا البلدين كان لابدّ أن ينتج عنه تلاقح فكري وازدهار ثقافي، وكان لابدّ أن ينجم عن ذلك تأثّر وتأثير. فكما كانت البصرة منطلق حملة العلم الذين نشروا الدّعوة الإباضية، فإنّها

(1) - المرجع السّابق، ص: 19، 20. ينظر الدّكتورة سيّدة اسماعيل كاشف، عمان في فجر التّاريخ، سلسلة تراثنا، العدد الأوّل، ط2، وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، 1982م، ص: 42. والشّيخ سالم ابن حمد الحارثي، العقود الفضية.

(2) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 70، 71. ينظر كتاب الجامع للعلاّمة ابن بركة، ج1، ط2، عام 1394هـ/ 1974م.

(3) - ينظر صحار عبر التّاريخ، ص: 5، 11، 17، 18 …

٣٠ / ١٥٣