سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٣٧أَقُولُ لِوَرْقاوَيْنِ في فَرْعِ نَخْلَةٍ … وَقَدْ طَفَلَ الإِمْساءُ أو جَنَح العَصْرُ
وَقَدْ بَسَطَتْ هَاتَا لِتِلْكَ جَناحَهَا … وَمالَ علَى هَاتِيكَ مِنْ هَذِهِ النَّحْرُ
لِيَهْنِكُمَا إِنْ لَمْ تُرَاعَا بِفُرْقةٍ … وَمَا دَبَّ في تَشْتِيتِ شَمْلِكُمَا الدَّهْرُ
فَلَمْ أَرَ مِثْلِي قَطَّعَ الشَّوقُ قَلْبَهُ … عَلَى أَنَّهُ يَحْكِي قَسَاوَتَهُ الصَّخْرُ(1)
تحت عنوان (المعادل الموضوعي في شعر ابن دريد) يعلّق الدّكتور عماد حسيب محمد على هذه الأبيات ليتناول عمانية ابن دريد: " فالأبيات تنقل لنا مشاعر الشّاعر، التي يعانيها من أثر الغربة، والبعد عن الوطن، في صورة رمزية، تتّحد أطرافها في الحمامتين اللّتين تتبادلان الحبّ والتّضحية، وتظهر هذه الصّفات في الجناح المبسوط والنّحر المائل، كعلاقتين من علاقات الحبّ والتّرابط. هذا على المستوى الأوّل لقراءة النّصّ ولكن إذا تعمّقنا في الأبيات وربطناها بحياة ابن دريد المطوية بين سفر وإقامة، فإنّنا نرى أنّ الحمامتين ما هما إلاّ الشّاعر ووطنه، فيميل بمشاعره تجاه وطنه من حين لآخر، ووطنه يبسط جناحه لاستقباله، ولكنّه لا يستطيع العودة. وهنا تظهر المفارقة بين الحكاية المروية، والحقيقة الغائبة، فيخفي الشّاعر مشاعره الذّاتية ببيت أخير، تظهر فيه علامات التّخصيص والذّاتية، ليعلن جرحه الذي يعيشه، وألمه المسيطر على نفسه من أثر الفراق والغربة "(2)
تعليق الدّكتور على هذه الأبيات انطلق من مسلّمة – عنده – هي أنّ ابن دريد عماني. فعمد إلى تحليل الأبيات، في مفرداتها وتراكيبها وصورها ورموزها؛ ليبيّن ويقنع المتلقّي بهذه الحقيقة. فمفاتيح نصّه أو تعليقه هي: (الوطن، الحبّ، الغربة، الذّاتية، المشاعر .. ) هذه المفردات تكشف عمّا يختزَنه الشّاعر في داخله من عاطفة الارتباط بالوطن، وهو ينظر إلى الحمامتين اللّتين حرّكتا فيه مشاعر الحنين بمظهرهما، ثمّ بهديلهما (الذي هو مثار تهييج الشّعراء كما حدث لأبي فراس الحمداني) حتى ولو أنّ الشّاعر ابن دريد كان موجودًا في وطنه حين رأى الحمامتين تهدلان، غير أنّ هذا التّصوير يعبّر عن فترة مضت عليه، وهو في الغربة، ويخبر عن عهد سيأتي، حين يغادر أرض الوطن، وهي حاله التي قدّر له أن يكون عليها طول حياته (فحياته مطوية
(1) - المرجع السّابق، ص: 188. ينظر الأمالي لأبي علي القالي، ج1،منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1400هـ/ 1980م، ص: 133.
(2) - الدّكتور عماد حسيب محمد، " تنوّع الخطاب الشّعري ومرايا الاختلاف، مقاربة نصّيّة في ديوان ابن دريد الأزدي "، المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 1150.