سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٤١تحصل النّتيجة المنشودة. ولن تكون هذه الرّحلة التي ذكرها بلاشير هي الوحيدة، بل من المؤكّد أن رحلات ابن دريد قد تعدّدت؛ للإفادة من صفاء البيئة العمانية، المساعدة على تلقّي اللّغة السّليمة، ثمّ بدافع الحنين إلى الرّبع الذي يتّصل به بسبب من الأرومة. هذا دليل آخر على عمانية ابن دريد.
يضيف أحمد درويش: " لكن رحلة ابن دريد هذه إلى عُمان، إذا كان طلب النّقاء اللّغوي إحدى فوائدها، فإنّه لم يكن بالتّأكيد فائدتها الوحيدة، بل ولعلّه لم يكن باعثها الأوّل. فنسيج حياة ابن دريد ونتاجه الشّعري، على نحو خاصّ، قد يوحيان … بأنّ ذهاب ابن دريد إلى عُمان لم يكن ارتحالاً، بقدر ما كان عودة من ارتحال، وأنّ هذا الذّهاب من الصّعب أن يحصر في مرّة واحدة، قوامها اثنتا عشرة سنة، والأرجح أن تكون هذه المرّة هي أطول المرّات، أو أكثرها اتّصالاً، وأن تكون قد سبقتها أو تلتها مرّات أخرى متقطّعة."(1)
الأستاذ بدر اليحمدي تناول الموضوع من زاوية أخرى، أو بطريقة غير مباشرة لتأكيد عمانية ابن دريد، فهو لم يقف طويلاً في انتمائه إلى عمان، وإن كان قصده إلى هذا لا يخفى على أيّ دارسٍ باحثٍ عن الأدلّة في المسألة. هو عَرَضَ لتأثير البيئة العمانية في شخصية ابن دريد، وأنّ ما ظهر من تفوّقه في اللّغة كان من أثر هذه البيئة في تكوينه وإعداده لغويًا متميّزًا(2)
قال بدر اليحمدي: " ولنأتِ بعد ذلك إلى دليل قاطع يجعل افتراض أثر البيئة العمانية على ابن دريد يتأكّد أكثر فأكثر، وهو أنّ ابن دريد ما ظهر أثره اللّغوي إلاّ بعد أن رحل إلى عمان، وظلّ بها اثنتي عشرة سنة، أي أنّه لم يبدأ العطاء اللّغوي والرّواية والشّعر إلاّ بعد عودته من عمان وتشبّعه بذلك الثّراء اللّغوي الكبير.
وكأنّ الأقدار أرادت أن تثبت أنّ ابن دريد لم يكن ليصقل نبوغه، وهو في تلك البيئة الصّغيرة المنقولة من بيئة عمان، بل أرادته أن يرجع إلى البيئة الأصلية، موطن آبائه الكبير، فيستلهم منه أصالة اللّغة العربية وثرائها وطابعها "(3)
بعض الكلمات والعبارات التي عمد إليها الباحث في النّصّ تدلّ أنّه كان يرمي إلى إثبات عمانيّة ابن دربد: (يرجع إلى البيئة الأصلية، موطن آبائه الكبير .. ).
ممّا سبق عرضه يتبيّن أنّ ابن دريد عمانيً، في أصله ونسبه وانتمائه ومشاعره واهتماماته … فالحنين والانتماء إلى وطنه واضح في شعره، وتردّده على أهله وبلده كان
(1) - ابن دريد وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 22.
(2) - ينظر كتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 98 – 103.
(3) - المرجع السّابق، ص:101.