سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٤٤ياقوت يشير إلى البيت الذي يقول فيه ابن دريد؛ ويحثّ قومه على الأخذ بالثّأر من راشد بن النّظر وشيعته؛ انتقامًا لموتى وقعة الرّوضة:(1)
أَترَى الأزْدَ يَقْسِمُ الذُّلَّ فيها … خَارِجيٌّ وخَاربٌ عَمْرُوطُ
ثُمَّ تَرْضَى بِذَلِكَ الأزْدُ أَنْ تَرْ … ضَى، فَلاَ رِيشَ سَهْمُها المَمْرُوطُ(2)
يرى بعض المحقّقين أنّ ابن دريد هنا، لَمْ يَعْنِ بالخارجي أحد الخوارج بالمفهوم السّياسي للكلمة، وإنّما يعني الغريب الخارج عن قومه، بالمفهوم اللّغوي … استشهد الدّكتور في هذه النّقطة برأي الشّيخ عزّ الدّين التّنوخي، الذي فسّر ما ورد في البيت تفسيرًا لغويًا، بعيدًا عن المدلول السّياسي، كما قد يكون توهّم ياقوت الحموي(3)
3 – ذكر الدّكتور أنّه كما اختلط على بعض النّاس والدّارسين مفهوم (الخروج) لغويًا وسياسيًا، فأوّلوا وأصدروا أحكامًا خاطئة في حقيقة مذهب ابن دريد، كذلك خانهم الحظّ في التّفريق بين الخوارج والإباضية، فقالوا: بما أنّ ابن دريد يخالف الخوارج، فهو لا ينتمي إلى مذهب أهل عمان. قال: " ولعلّ وجه الصّواب في هذه القضيّة يتعلّق أساسًا بمفهوم الخوارج، الذي ألصقه المؤرّخون بالإباضية، وتبعهم في ذلك المحدثون، إذ يعدّونهم خوارج، هكذا دون التّمييز والتّفريق بينهم وبين غلاة الخوارج من الأزارقة والصّفرية والنّجدات. بل غير آخذين بما جاء في تاريخ عمان نفسه في هذه المرحلة، حيث كانوا في حرب مع النّجدات الذين حاولوا بسط نفوذهم على عمان، ممّا يؤكّد رفضهم المطلق لمبادئ الخوارج المتطرّفة كالأزارقة والنّجدات، في وقت كانوا فيه معتنقين لمبادئ الإباضية، التي نقلها أبو بلال مرداس بن أديّة التّميمي إلى عمان."(4)
4 – إصدار أحكام من دون مراعاة الظّروف التي تظهر فيها المواقف والأقوال، ومن دون الدّراية الكافية بالقواعد والمفهومات التي تطبعها، ومن دون النّظر إلى المقاصد والغايات، بدل الوقوف عند الألفاظ والكلمات. ناقش الدّكتور محمد ناصر الأستاذ مصطفى السّنوسي الذي استند إلى تعبير صدر من ابن دريد، وهو يتحدّث عن
(1) - ينظر كتاب محمد بن الحسن بن دريد، ص: 17 – 19.
(2) - المرجع السّابق، ص: 83. ينظر ديوان ابن دريد، تحقيق محمد العلوي، ص: 74.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 83. ينظر ما قاله الشّيخ عزّ الدّين التّنوخي، مقدّمة كتاب ابن دريد، وصف المطر والسّحاب، ص: 20.
(4) - المرجع السّابق، ص: 84. ينظر تحفة الأعيان، ج1، ص: 79 وما بعدها، وينظر الإباضية في عمان وعلاقتها مع الدّولة العبّاسية، ص: 5.