سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٤٨

1 – التّعريف بالكتاب

يبرز المجهود اللّغوي الكبير الذي قدّمه ابن دريد للعربيّة، وللمشتغلين بها في كتابه " الجمهرة" في اللّغة، الذي يعدّ الموسوعة الثّانية، بعد كتاب " العين " للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 189 هـ)، وأصلا من أصول معجمات لغة العرب. وقد وضعه بعد رحلة طويلة مع اللّغة، ومعايشة حميمية لها: تعلّمًا وتدريسَا وتحقيقًا وتجديدًا لأساليب تناولها …

قال ابن دريد مبيّنا الغرض من تأليف الكتاب، إنّه وضعه لمّا رأى زهد النّاس في الأدب، وعداءَهم لما يجهلون، بل تضييعهم لما يتعلّمون. تساوى في ذلك الكبار والشّباب المقبلون على الحياة، الذين يقدّمون شهواتهم على حبّ الخيرات، قال لمّا رأيت ذلك: " حبوت العلم خزنا على معرفتي بفضل إذاعته، وجللته سترا مع فرط بصيرتي بما في إظهاره من حسن الأحدوثة الباقية على الدّهر. فعاشرت العقلاء كالمسترشد، ودامجت الجهّال كالغبيّ؛ نفاسة بالعلم أن أبثّه في غير أهله، وأضعه حيث لا يُعرَف كنه قدره، حتّى تناهت بي الحال إلى أبي العبّاس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال، أيّده الله بتوفيقه، فعاشرت منه شهابا ذاكيّا وسبّاقا مُبِرّزا، وحكيما متناهيا، وعالما متقنا … فبذلت له مصون ما أكننت، وأبديت مستور ما أخفيت … فارتجلت الكتاب المنسوب إلى جمهرة اللّغة. "(1)

من هذا النّصّ تتبيّن لنا غيرة ابن دريد على اللّغة العربيّة، وأسفه وتضجّره من زهد النّاس فيها، وتقاعسهم عن طلبها وطلب العلم، وعدم احتفائهم بما يلقّنون وما يعلّمون. فلمّا أنس من نفسه قوّة وكفاية علميّة، ودراية باللّغة العربية، ووجد الفرصة المناسبة والظّرف الملائم، والسّند القويّ في القيام بعمل يعين النّاشئة على تدارك الأمر والأخذ بأيديهم، دوّن لهم ما يمكّنهم من الرّجوع إليه في أخذ لغتهم، وحفظ لسانهم العربي، فأملى الكتاب على أبي العبّاس إسماعيل بن ميكال.

هذا التّفكير بهذه الطّريقة، وهذا الاهتمام بهذه الرّوح يكشفان عن عظمة الرّجل، ويُبينان عن قدره العالي؛ إذ أنّه اهتبل الفرصة، واختار الظّرف، وانتقى الرّجل الذي يملي عليه نفيس ما يعتزّ به، وما ضنّ به على سائر النّاس؛ أسرار اللّغة العربيّة. وهو قبل العثور على الرّجل المناسب، والضّالة المنشودة، كان يبخل بإذاعته بين الأنام؛ مخافة أن يقدّم الدّرّ لمن لا يفقه قيمته، فيضيع، ويذهب معه وقته وجهده سُدًى.

(1) - أبو بكر بن دريد الأزدي، كتاب جمهرة اللّغة، الجزء الأوّل مكتبة المثنّى، بغداد، (د. ت)، ص: 3.

٤٤ / ١٥٣