سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٤٩

كتاب " الجمهرة " كتاب جليل، حتّى وإن عدّت عليه بعض الهنات، بالمقارنة مع كتاب " العين " للخليل بن أحمد، الذي يعدّ ملهم ابن دريد في تأليفه كتاب " الجمهرة "، وذلك بمحاولة الاستدراك على طريقته – كما أشار إلى ذلك في المقدّمة – وقد قال عنه (أي الخليل بن أحمد): " كلّ من بعده له تبع، أقرّ بذلك أم جحد. "(1)

قال الدّكتور عيد الخريشة: " ونعتقد أنّ ابن دريد كان يهدف من وضع هذا الكتاب تسهيل مراجعة معاني الألفاظ للعامّة، وأن لا تقتصر على الخاصّة من اللّغويين، وذلك بعد أن وجد صعوبة في البحث عن معاني الألفاظ؛ وفق طريقة التّرتيب الصّوتي التي سار عليها الخليل."(2)

أقدم ابن دريد على العمل عن دراية وقناعة، وقصد تقديم خدمة للعربية كي تنتشر، وللمتعلّمين كي يقبلوا على تلقّيها برغبة وشغف. قال ابن دريد: " وأملينا هذا الكتاب والنّقص في النّاس فاشٍ، والعجز لهم شامل، إلاّ خصائص كدراري النّجوم في أطراف الأفق، فسهّلنا وعره، ووطّأنا شأزه، وأجريناه على تأليف الحروف المعجمية، إذ كانت بالقلوب أعبق، وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامّة بها كعلم الخاصّة، وطالبها من هذه الجهة بعيدًا عن الحيرة. "(3)

بهذا الجهد وهذا الأسلوب في التّعامل مع مفردات اللّغة العربية يكون ابن دريد مجدّدًا ومبتكرًا في سبل البحث عن معاني الكلمات، ويكون قد فتح المجال لمن أتى بعده في التّجديد وتسهيل الإفادة من المعاجم. " كان ابن دريد صاحب مدرسة في التّأليف المعجمي، عندما ابتدع طريقة تصنيف المعجم على التّرتيب الألفبائي، وتبعه على ذلك مجموعة من المعاجم، مثل مقاييس اللّغة ومجمل اللّغة لابن فارس، وأساس البلاغة للزّمخشري "(4)

يقول الدّكتور أحمد درويش إنّ كتاب الجمهرة: " اختطّ طريقًا جديدًا للمعاجم العربية، ونقلها من مجال المعرفة بالسّمع، وهو مجال مناسب لعصر ما قبل التّدوين والكتابة، إلى مجال المعرفة بالعين، وهو الأكثر مناسبة لعصر الكتب والدّفاتر، الذي

(1) -المصدر نفسه.

(2) - الدّكتور عيد الخريشة، " ابن دريد ومعجمه الجمهرة "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 213.

(3) - المرجع نفسه.

(4) - عبد الرّازق فالح جرار، " تأثّر ابن دريد وتأثيره في صناعة المعاجم "، المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 853.

٤٥ / ١٥٣