سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٥٠

امتدّ إلى عصر المطابع وما يليه. ذلك أنّ المعجم الشّهير الذي سبق ابن دريد، وهو معجم الخليل بن أحمد كان يقوم على أساس التّرتيب الصّوتي المخرجي … "(1)

عمل ابن دريد في (الجمهرة) خطوة مهمّة وجريئة في صناعة المعاجم العربية، جاءت لتطوّر العمل المعجمي، وتواصل ما بدأه صاحب أوّل معجم عربي، الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين:" ولهذا يعدّ كتاب الجمهرة تطوّرًا تاليًا لمعجم العين، ولا نغالي إذا قلنا: إنّ ابن دريد صاحب الفضل في تدعيم النّظام الألفبائي في فنّ صناعة المعجم (وهو الذي منحه ما يشبه الشّرعية في وضع المعاجم من بعده) "(2)

كان اهتمام ابن دريد منصبًّا على أمرين أساسين في عمله المعجمي، وهو يقوم بعمليّة تطوير طرق خدمة اللّغة العربية، التي كان يخاف عليها أن تتعرّض لما يوهنها؛ بسبب التّغيّرات التي حصلت في المجتمع العربي، كدخول عناصر جديدة فيه: جنسًا وثقافة ونزعات. هذان الأمران هما: التزامُ الصّحيحِ من الألفاظ، وتيسيرُ البحث عن المواد.

بذلك يكون قد جمع بين العناية بالمحتوى والشّكل أو المنهج في التّعامل مع المادة العلمية. يقول الدّكتور عامر باهر الحيالي: " وإذا ما أردنا أن نصنّف (جمهرة اللّغة) على وفق الاتّجاه النّقدي الذي يمثّله، وحجم المادة النّقدية التي اشتمل عليها، فهو يندرج ضمن المعجمات (الانتقائية التّصويبية)؛ لأنّه جمع بين الانتقاء والتّصويب، وفي العنوان التي وسم به كتابه (جمهرة اللّغة) ما يفصح عن انتقائية، وصرّح بذلك في مقدّمته بقوله: (وإنّما اخترنا هذا الاسم لأنّا اخترنا له الجمهور من كلام العرب، وأرجأنا الوحشي والمنكر) كرّر تأكيد اعتماده على مبدأ الانتقاء في متن معجمه، وفي خاتمته، ويفهم من أقوال ابن دريد أنّه قصد بالجمهور المستعمل الشّائع من الكلام. وفي هذا الشّائع ما هو فصيح وغير فصيح، ممّا جعل ابن دريد يورد في معجمه غير الفصيح إلى جانب الفصيح الصّحيح … "(3)

(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 60.

(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 214. ينظر الدّكتور أحمد عبد السّميع، المعاجم العربية دراسة تحليلية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1979م، ص: 55.

(3) - الدّكتور عامر باهر الحيالي، " إضاءات لغوية على رحلتي العلمية مع ابن دريد في كتابه (جمهرة اللّغة) "، المرجع السّابق، ص: 224، ينظر جمهرة اللّغة، تحقيق د. منير بعلبكّي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1/ 41، و2/ 1182، و3/ 514.

٤٦ / ١٥٣