سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٥١هذا الانتقاء في إيراد ألفاظ اللّغة العربية في معجمه؛ لتكون فائدته التّعليمية أكبر، يبيّن جهده في تطوير منهج الدّرس اللّغوي، وبذلك يكون قد أسهم في تنمية طرق البحث في اللّغة.
يقول الدّكتور عمر الدّقّاق: " فاللّفظ الشّائع المألوف كان قصْدَ ابن دريد في معجمه، وليس الغريبَ النّادر(1). وهذا يعني أنّ غرضه يشبه إلى حدّ ما غرض الجوهري في تصفية اللّغة من الشّوائب، واستبعاد بعضٍ من ألفاظها، على حين كان غرض الخليل في " العين " استيعاب العربية وجمع ألفاظها قاطبة، دون تمييز بين شائعها وغريبها "(2)
بهذا المؤلَّف يواصل ابن دريد جهود سلفه وابن وطنه الخليل بن أحمد الفراهيدي، في معجمه (العين) أوّل معجم في اللّغة العربية، بعد أن اعترف له بالفضل والسّبق، وفي الوقت نفسه استدرك عليه في المنهج الذي اختطّه الخليل المبتدي، الذي رأى فيه ابن دريد المقتدي عنتا، قد ينفّر من تعلّم هذه اللّغة، هذا في الحقيقة شيء طَبَعِي يحدث في الكائن الذي يراد له أن يؤدّي المهمّة التي تناط به، يُراعى الظّرف الذي يوجد فيه، وتُرعى المتغيّرات التي تحصل، وتتطلّب التّجاوب معها بما يخدم المصلحة العامّة، ويفرض التّحاور بين العلماء، عن طريق نقد أعمالهم، والإضافة إليها … هذا ما نبّه إليه الدّارسون المنصفون الأكفاء الذين تناولوا تراث الرّجلين. قال ابن دريد: " ولَمْ أَجْرِ في إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا، ولا الطّعن على أسلافنا، وأنّى يكون ذلك!! وإنّما على مثالهم نحتذي، وبسبلهم نقتدي، وعلى ما أصّلوا نبتني، وقد أّلّف الخليل بن أحمد كتاب (العين) فأتعب من تصدّى لغايته … وكلّ من بعده له تبع، أقرّ بذلك أم جحد … "(3)
إنّ ابن دريد يكنّ كلّ التّقدير لسلفه الذي تعلّم منه، ويعترف له بالفضل، فليس فيما أقدم عليه من الاستدراك على طريقته في تسجيل اللّغة العربية ما يدفع إلى الطّعن عليه، ووصفه بالتّعدّي والتّطاول على مكانة الخليل بن أحمد .. يقول علي بن محسن آل حفيظ: " وابن دريد من أنجب تلاميذ الخليل والمدافعين عن علومه وآدابه، فابن دريد رأس مدرسة الخليل، فضلاً عن كونه من المنافحين الأوائل عن معجم (العين) للخليل أمام ناقديه
(1) - أفرد ابن دريد للنّوادر من الألفاظ أبوابًا ملحقة في آخر كتاب (الجمهرة).
(2) - الدّكتور عمر الدّقّاق، مصادر التّراث العربي في اللّغة والمعاجم والأدب والتّراجم، دار الشّرق العربي، بيروت، لبنان، حلب، سورية، (د، ت)، ص: 186، 187.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 539، ينظر كتاب جمهرة اللّغة، ج1، ص: 3.