سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٥٢والمستدركين عليه بعض الاستدراكات، فإنّ كتابه الموسوم بـ (الجمهرة) قد اعتبر مؤلّفًا على منوال كتاب (العين) "(1)
مثلما يُعترَف لابن دريد بالتّجديد في كتابه الجمهرة، يسجّل تأثّره بالخليل بن أحمد؛ لوجود بصمات من آثار (العين) في موسوعته. عدّد الدّكتور عبد الرّازق جرار هذا الأثر في النّقط الآتية:
1 – رغم أنّ ابن دريد ابتكر التّرتيب الألفبائي في الجمهرة، إلاّ أنّه لم يخرج من عباءة معجم (العين) في المعالم الكبرى، وبخاصّة في الموضوعات، فهي في (الجمهرة) لم تخرج عمّا تناولته مقدّمة (العين) إلاّ في التّفاصيل.
2 – احتفظ ابن دريد بما صنعه الخليل بن أحمد في (العين) من تقسيم ألفاظ اللّغة إلى أبواب الثّنائي والثّلاثي … الخ. واحتفظ أيضًا بتقليب الأصل الواحد على وجوهه المختلفة، حسب الاشتقاق الكبير، واتّفق مع الخليل أيضًا بأنّه لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه، حتّى لا يقع تكرار في تصنيف الألفاظ.
3 – اشتملت مقدّمة (الجمهرة) على امتدادات لما دوّنه الخليل في مقدّمة (العين)، فقد تكلّم عن صفة الحروف وأجناسها، ووضعها في سبعة أجناس. وهي قريبٌ من البيان الذي ورد في كتاب (العين)(2)
4 – اعتمد كثيرًا على الخليل بن أحمد في مروياته اللّغوية، لكنّه ظهر فيها ناقدًا لغويًا، يحسن الاختيار، ويقف على مواد أهملها الخليل، وأثبتها هو.(3)
رغم تأثّر ابن دريد بالخليل بن أحمد، إلاّ أنّ الجمهرة تعدّ متميّزة، ومنفردة بمنهجها وإضافاتها وتطويرها للعمل المعجمي، فلا يقدح فيها كما فعل خصوم ابن دريد الذين عدّوا عمل ابن دريد نسخًا وسلخًا وسرقة لعمل الخليل، كما ادّعى نفطويه والأزهري …
" نفطويه " (ت 323 هـ / 935 م) أنكر على ابن دريد أن يكون قد أتى بشيء جديد، سوى أنّه نقل ما سجّله الخليل بن أحمد في معجم (العين)، بعد أن غيّر فيه قليلا، ونسب العمل إليه. قال نفطويه:
ابْنُ دُرَيْدٍ بَقَرَهْ … وَفِيهِ عَيٌّ وَشَرَهْ
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 133، ينظر د. عزّ الدّين إسماعيل، كتابه: المصادر الأدبية واللّغوية في التّراث العربي، ص: 301، وتاج العروس، ج1، ص: 38.
(2) - ينظر ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 858.
(3) - ينظر المرجع السّابق، المجلّد الأوّل، ص: 213.