سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٧٠

القبائل العربية قبل الإسلام وبعده في المجالات المختلفة، يجدون في الكتاب مادة خصبة غزيرة تفيدهم في أعمالهم …

4 – يتميّز الكتاب بالتّحليل الدّقيق للأسماء. فابن دريد في هذا الموضوع يقدّم معلومات تعتمد الإحصاء – في بعض الأحيان – وهو يعرض سلسلة النّسب. مثلا في سلسلة نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض نسبه، ويقف أمام كلّ اسم من السّلسلة " فيشرح الجذور اللّغوية والفروق بينها وبين الجذور المتشابهة. فيتعرّض في مادة (محمد) إلى الفرق بين الحمد والشّكر، وبين صيغة محمد وصيغة محمود، ثمّ يشير إلى من سمّي (محمدا) في الجاهلية، ويخصّ أربعة. ومنه ينتقل إلى (أحمد)، فيشير إلى من سمّي به، وإلى يحمد وحميد وحميدان وحماد، وهكذا يفعل مع بقيّة الأسماء التي يتعرّض لها في سلسلة النّسب الشّريفة، ومن بعدها في أسماء القبائل وبطونها ورجالها "(1)

ما قام به ابن دريد يحقّق شخصيته اللّغوية، وشخصيته التّعليمية، فهو يقصد إلى تعليم اللّغة، وتحقيق مكانة العرب في المجال العلمي، التي نال منها وطعن فيها الشّعوبيّون، وبهذا يبلغ غايته التي نذر نفسه للوصول إليها، وهي نصرة العربية، وخدمة العنصر العربي، فلا غرابة أن يطنب ويستطرد في مباحثه، إنّ هذا يدخل في صميم المنهج الذي اختطّه لنفسه، الذي يجعل اللّغة هي محور أبحاثه وأعماله.

هذا تقديم مقتضب لمضمون كتاب الاشتقاق، وتسجيل لخصائصه، وبيان لمكانته في الفكر اللّغوي العربي، ومن خلال ذلك يتّضح لنا دور ابن دريد في تطوير الدّرس اللّغوي، وتصحيح بعض الأخطاء المرتكبة في حقّ اللّغة العربية، كما كان له فضل فتح مجالات البحث في أسرار اللّغة العربية، وفي طرق تناول هذه اللّغة بمنهجية دقيقة، تسهم في مزيد من العطاء لكشف الغطاء عن اللّغة الغنيّة القويّة. يقول الدّكتور أحمد درويش: " وهكذا يقدّم (الاشتقاق) فيما يقدّم علامات، يمكن أن تساعد على رسم صور لكثير من الجماعات والأمكنة في التّاريخ العربي، إلى جانب ما قدّمته من ملاحة متمكّنة في بحر واسع هو اللّغة العربية، بطريقة منهجيّة منظّمة، دلّت – مرّة أخرى - على أنّ ابن دريد كان مؤلّفًا ذا عطاء متميّز، من خلال تلاميذه ومؤلّفاته، وأنّ أثره من خلال ذلك كلّه تجاوز عصر القرن الثّالث والرّابع، الذي استحقّ بجدارة أن يكون أستاذ الجيل فيه، إلى القرون التّالية؛ ليكون واحدًا من روّاد الثّقافة العربيّة الجادّة العميقة"(2)

(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 69.

(2) - المرجع السّابق، ص: 70.

٦٥ / ١٥٣