سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٧١سجّل الدّكتور أحمد درويش ملاحظة مهمّة، تؤرّخ مسيرة عمان العلميّة المتميّزة في الجهود اللّغوية، التي تعنى بالأصالة، وبذلك تتأكّد إسهامات عُمان المتميزّة في الشّهود الحضاري منذ القدم، والمتجدّدة دومًا. وفي ميدان اللّغة تسجّل لها الرّيادة والاستمرارية فيه في آن واحد: "ومن المصادفات العلمية أن يكون العمل الذي اهتمّ بأسماء الرّجال في العصر الحديث من النّاحية اللّغوية والتّاريخية والإحصائيّة هو (معجم أسماء العرب) الذي صدر عام 1991م، عن سلطنة عُمان، في إطار موسوعة السّلطان قابوس لأسماء العرب، وأن تكون عُمان بذلك مصدر الأعمال العلمية التي تهتمّ بأسماء الرّجال. فابن دريد صاحب المعجم القديم في الاشتقاق، ينتمي إليها، والعمل العلمي الحديث (معجم أسماء العرب)، يصدر تحت إشرافها "(1)
ج – كتاب الملاحن
من تراث ابن دريد اللّغوي كتاب " الملاحن " الذي يتناول الألغاز وصيغ القسم. وهو تعليميّ الهدف. يندرج الكتاب في حقل الدّلالة والمعجميّة. " وهو كتاب يبحث في دلالات الألفاظ، ويهتمّ بالدّلالات الثّانوية للّفظ. وغاية المؤلّف من تأليفه، كما ذكر في مقدّمة كتابه: إيجاد مخرج لمن يحلف يمينًا على شيء، ويريد غير المعنى الظّاهر. كأن تقول: والله ما أكلت صقرًا، وتريد اللّبن شديد الحموضة "(2)
يظهر جليًا من الدّافع لتأليف كتاب الملاحن عناية ابن دريد بالتّوسّع في البحث اللّغوي؛ قصد تعليمها للأجيال، بعد الكشف عن مقوّماتها وأسرارها، وقد ركّز في هذا السّياق على الجانب الدّلالي في التّعامل مع الكلمة العربية، وما تسعف به صاحبها من فرصة لتوجيه الكلام إلى ما يخدم غرضه من الإتيان به، بالتّصرّف في دلالاتها أو استثمار طاقاتها التّصويرية، باللّجوء إلى التّعبير غير المباشر، وهو ما وتدلّ عليه كلمة (الملاحن).
" ويقوم مفهوم مصطلح (الملاحن) عند ابن دريد في كتابه على الانزياح الدّلالي في استعمال اللّفظ من الدّلالة العامّة إلى الدّلالة المعجميّة الخاصّة، وهو ما عُرف عند البلاغيّين بمصطلح (التّورية) … وقد استفاد ابن دريد من ظاهرة المشترك اللّفظي، وأقام
(1) - المرجع السّابق، ص: 66.
(2) - الدّكتور كمال المقابلة، " التّورية في أسماء الحيوان والنّبات: دراسة دلالية معجمية في كتاب الملاحن لابن دريد "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 731.