سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٧٢عليها كتابه. وقريب من هذا ما عرف عند البلاغيّين أيضًا بـ (أسلوب الحكيم) في أحد مفهوميه "(1)
أثار الدّكتور محمد صالح ناصر نقطة مهمّة، تتعلّق بالدّافع الحقيقي لتأليف هذا الكتاب بهذه الطريقة، انطلاقًا من سؤال عرضه ثمّ أجاب عنه: هل للظّروف التي عاشها ابن دريد، وطبيعة الحياة التي كانت تسود العصر الذي وجد فيه ابن دريد علاقة بتأليف كتاب الملاحن؟؟ "والذي يبدو لنا أنّ وراء تأليف هذا الكتاب، الذي نجهل مكانه وزمانه دوافع سياسية واجتماعية أيضًا. فقد عرف عصر ابن دريد بالظّلم والاضطهاد والملاحقة. وإلاّ هل يكفي الهدف التّعليمي ليدفع بابن دريد لتأليف كتاب كامل على هذا النّحو؟ "(2)
استند الباحث في إثارة هذا السّؤال إلى ما ورد في كلام ابن دريد، حين صرّح بالدّافع الذي دفع به إلى تأليف الكتاب، وقد جاءت فيه كلمات توحي بالجوّ الذي أحاط بظروف إنشاء هذا العمل المتميّز: (إنّه مفزع للمجير المضطهد ليسلم من عادية الظّالم، ويتخلّص من جنف الغاشم. بناء على هذا يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " ألا يؤكّد هذا الدّافع مرّة أخرى ما نذهب إليه من أنّ ابن دريد كان يخفي مذهبه الحقيقي، وهو مذهب الشّراة. ولكنّه كان يستخدم التّقية بشتّى أساليبها؛ ممّا ألجأه إلى أن يستخدم التّورية واللّحن، وهو تحت سمع العبّاسيّين وبصرهم، وهذا لا ينفي بطبيعة الحال أن يكون للكتاب هدف تعليمي أيضًا "(3)
1 – مضمون الكتاب
ذكر ابن دريد في مقدّمة كتابه سبب تأليفه: " هذا كتاب ألّفناه ليفزع إليه المجبر المضطهد على اليمين، المكره عليها، فيعارض بما رسمناه، ويضمر خلاف ما يظهر؛ ليسلم من عادية الظّالم، ويتخلّص من جنف الغاشم، وسمّيناه (الملاحن)، واشتققنا له هذا الاسم من اللّغة العربية الفصيحة، التي لا يشوبها الكدر، ولا يستولي عليها التّكلّف "(4)
(1) - المرجع نفسه.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 105.
(3) - المرجع السّابق، ص: 106.
(4) - المرجع السّابق، ص: 104. ينظر كتاب الملاحن، تحقيق إبراهيم اطفيش، ص: ج.