سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٧٣

بيّن ابن دريد معنى الملاحن، وذكر أنّ الكلمة تعني (الفطنة)، مستندًا إلى قول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: (لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته)، أي اللّحن في المعنى(1) " لأنّ اللّحن عند العرب الفطنة، ومنها قول النّبي - صلى الله عليه وسلم - لعلّ أحدكم ألحن بحجّته من بعض، أي أفطن لها وأغوص، وذلك أنّ أصل اللّحن أن تريد شيئًا فتوري عنه بقول آخر "(2)

قدّم ابن دريد في هذا الكتاب مادة لغوية مهمّة، يفيد منها اللّغويّون والبلاغيّون في الدّرجة الأولى، تضمّنتها الجمل التي اختارها ليوضّح بها مفهوم الملاحن، ويقدّم بها درسًا لغويًا يتعلّم منه من أراد التّفقّه في اللّغة، ومجموع الجمل التي انتقاها بلغ خمسًا وثمانين ومائة جملة (185)(3) وذكر الدّكتور محمد صالح ناصر أنّ ابن دريد عرض في هذا الكتاب: "مائتي عبارة، مستعينًا ببراعته الفائقة وذكائه الخارق، وإلهامه الواسع بمفردات اللّغة ودلالاتها، والاستشهاد عليها بشواهد من التّراث العربي، ولهذه الشّواهد أهميّة خاصّة؛ لأنّها تعضد الدّلالات الخفية لبعض الألفاظ التي يندر أن يتفطّن إليها أحد(4)

2 - نماذج من النّصوص الواردة في الكتاب

أ - كان العنبري أسيرًا في بني بكر بن وائل، وسألهم أن يعدّوا له رسولا كي يبلّغه رسالة يذهب بها إلى قومه. فخاف الآسرون أن يبلّغهم شيئًا يضرّ بهم، فاشترطوا أن يبلّغ رسالته في وجودهم، فوافق، فَجِيء بعبد أسود فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إنّي لعاقل. وأشار بيده إلى اللّيل فقال: ما هذا؟ قال: اللّيل. ثمّ ملأ كفّيه من الرّمل فقال: كم هذا؟ قال: لا أدري، وإنّه لكثير. قال: أيّهما أكثر النّجوم أم التّراب؟ قال: كلّ كثير. قال: أبلغ قومي التّحيّة، وقل لهم ليكرموا أسير بكر، فقومه لي مكرمون، وقل لهم: إنّ العرفج شجر بالبادية، قد أدبى (خرج منه الدّبى وهو صغار الجراد)، وقد شكت النّساء، وأمرهم أن يُعروا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب، بآية ما أكلت معهم حيسًا، واسألوا الحارث عن خبري.

فلمّا أدّى العبد الرّسالة إليهم، قالوا: لقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملاً أصهب، ثمّ سرّحوا العبد، ودعوا الحارث وقصّوا عليه القصّة، فقال: لقد

(1) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل،، ص: 732. ينظر ابن دريد الأزدي، كتاب الملاحن، تحقيق عبد الإله النّبهان، منشورات وزارة الثّقافة السّورية، دمشق، 1992م، ص: 65 – 69.

(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 104. ينظر الملاحن، ص: 4.

(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 732.

(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 105. ينظر أيضًا السّنوسي، ابن دريد، ص: 121.

٦٨ / ١٥٣