سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٧٤

أنذركم. أمّا قوله: أدبى العرفج، فيريد أنّ الرّجال قد استلأموا، أي لبسوا الدّروع، ولبسوا السّلاح. وقوله: قد شكت النّساء، أي اتّخذن الشُّكاء للسّفر. وقوله: عروا ناقتي الحمراء، أي ارتحلوا عن الدّهناء (الفلاة). واركبوا الجبل. وقوله: بآية ما أكلت معكم حيسًا، يريد أنّ أخلاطًا من النّاس قد غزوكم؛ لأنّ الحيس يجمع التّمر والسّمن والأقط. فامتثلوا ما قال، وعرفوا لحن كلامه(1)

في هذا النّموذج يظهر أن النّاس في الفهم والإدراك مستويات. وأنّ استعمال اللّغة أيضًا مستويات، ليس بمقدور كلّ النّاس فهم ما يلقى إليهم من الكلام، كما أنّ توجيه اللّغة إلى التبليغ بالتورية واللّحن مقام لا يدركه ولا يحسنه كلّ النّاس: منشئين للكلام ومبلّغيه، ومتلقّين له .. وفي هذا النّموذج يتّضح معنى اللّحن، كما تتكشّف قوّة اللّغة الرّامزة. واللّغة المبلّغة بدقّة إلى من يعنيه الأمر فقط. وبهذا الضّرب من التّعبير تبرز عبقرية اللّغة العربية، وتظهر براعة ابن دريد في عرض اللّغة وأساليبها، التي تعلّم النّاس كيف ينطقون، وكيف يخاطبون، وكيف يكتبون …

ب – قال ابن دريد: وكلّ ما كان من الفرس من أسماء الطّير فلك أن تحلف عليه. نحو الحمامة والقطاة وما أشبه ذلك. فالقطاة مقعد الرّديف بين الوركين، والحمامة الموضع الذي يصيب الأرض من صدر الفرس إذا ربض، والفرخ وهو الدّماغ. تقول: (والله ما كنت قائدًا قط، ولا أصلح لذلك، فالقائد الجدول يسقي الأرض). وتقول: (والله ما رأيت سعدًا ولا سعيدًا، فالسّعد من سعود النّجوم، والسّعيد النّهر الذي يسقي الأرض منفردًا بها. تقول: (هذا سعيد هذه الأرض)، أي نهرها. وتقول: (والله ما رأيت جعفرًا ولا كلّمت سريًا) فالجعفر النّهر، والسّري النّهر الصّغير، كذلك فسّر في التّنزيل، أي في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم/)(2)

هذا النّصّ يبيّن أنّ للألفاظ دلالات خفية، يمكن استثمارها بالتّورية واللّحن في القول لتوصيل الفكرة إلى المتلقّي بدقّة، من دون أن يتفطّن لها إلاّ الفطن الذكيّ. يركب هذا الأسلوب من يريد أن يفوّت فرصة معرفة أفكاره على غير من يريد أن تصل إليه. فابن دريد بأمثال هذه النّماذج أراد أن يعلّم النّاس كيف يتصرّفون في كلامهم وفي تعبيراتهم، في الوقت نفسه يطمح إلى الكشف عن عبقرية اللّغة العربية.

(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 63، 64. ينظر كتاب الملاحن، تحقيق أبي إسحاق، ص:17. والأمالي لأبي علي القالي، ج1، ص: 6، 7. عند القالي زيادات واختلاف في بعض الألفاظ ..

(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 105. ينظر كتاب الملاحن، ص: 39.

٦٩ / ١٥٣