سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٧٥من هذين المثالين والأمثلة الواردة في كتاب الملاحن يتبيّن لنا كفايةُ ابن دريد التّعليمية والتّربوية، واطّلاعُه الواسع على مفردات اللّغة العربية، وفطنته وذكاؤُه في توجيه الدّرس اللّغوي لما يخدم أهدافه، التي منها تمكين تلاميذه الذين كان يعنيهم – في الدّرجة الأولى – بما يملي ويؤلّف ويوجّه من التّفقّه في اللّغة العربية .. ومن بعدهم يستفيد كلّ من يطّلع على أعماله بالزّاد اللّغوي. إذن ما جاء في كتاب (الملاحن) هو من الوسائل التي اتّبعها لتمكين النّاس من حفظ الكلمات بما تدلّ عليه بظاهرها وباطنها.
في سبيل الحصول على أدلّة تثبت تميّز ابن دريد في مجاله الذي عرف به، وهو ميدان اللّغة، أتى الدّكتور أحمد درويش بنماذج ممّا ضمّنه ابن دريد كتابه، وبيّن من خلالها غنى اللّغة العربية وقوّتَها وتميّزها، واستعصاءَها على كثير ممّن يدّعون الفهم والقدرة على الاستيعاب، وهم في الحقيقة عاجزون عن إدراك كنه كثير من الكلمات ودلالاتها. يقول الدّكتور: " ومع أنّ الجمل التي أتى بها ابن دريد تستجيب لحاجات عملية عاجلة، فإنّ وراء ذلك فكرة التّميّز، وتنبيه من يتصوّرون أنّهم يعرفون لغتهم جيّدًا، وهم بعيدون عن ذلك؛ لأنّ ذلك شأو يحتاج إلى تبحّر وتعمّق. اكتفى ابن دريد بالإشارة إليه، ثمّ فتح مجال مستويات الدّلالة، وهي مجالات تقدّم فيها بقدر بعض علماء البلاغة والنّقد الأقدمين، لكنّها ما تزال في حاجة إلى جهد كبير "(1)
تعليق الدّكتور أحمد درويش بخاصّة وبقيّة الأساتذة بعامّة يحمل ويوحي بملاحظتين:
1 – إنّ تميّز ابن دريد واجتهاداته وابتكاراته وتجديده في الدّرس اللّغوي … كلّ ذلك فتح مجالات أمام الذين جاؤوا بعده من علماء في اللّغة والبلاغة والنّقد وغيرها ليطوّروا البحث في اللّغة، وفي مستويات الدّلالة التي تتوفّر عليها. إنّ هذا يظهر جانبًا مهمًّا وقويًا من شخصية ابن دريد العلمية. وهو ما يرفع من مكانته.
2 – قدّم الدّكتورأحمد درويش تفسيرًا وتوضيحًا لجانب التّميّز في شخصية ابن دريد العلمية، والدّكتور محمد صالح ناصر أبرز جانب الذّكاء والقدرة اللّغوية، والمهارة في التّعليم، من خلال كتاب الملاحن .. والدّكتور كمال المقابلة أشار إلى أهميّة المادة اللّغوية التي قدّمها في الكتاب، يفيد منها اللّغويون والبلاغيّون بخاصّة، وغيرهم سجّل ملاحظات أخرى .. هذا يدلّ على قوّة شخصية ابن دريد العلمية، وعلى غنى المعين الذي يتوفّر عليه، ممّا يجعل كلّ دارس يلتقط من علمه جانبًا يستنتجه بما يقوم به
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 64، 65.