سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٧هُناءة من الأزد، ولا يزال بطون الأزد كبني حديد (أو حُدَيْد) واليحمد والعتيك وخروص وغيرهم منتشرين في عمان.(1)
في شعر ابن دريد ما يشير إلى هذا النّسب:
وَبَنُو العَمِّ مِنْ حُدَيْدٍ، خُصُوصًا … وَعِمادِي في كُلِّ أَمْرٍ نفيل
وبَنُو ظَالِمٍ يدِي وَلِسانِي … وَحُسامِي المُهَنَّدُ المَصْقُول(2)
2 – مولده:
تذكر معظم المصادر، وتتّفق أغلب الرّوايات أنّ مولده كان في مدينة البصرة سنة 223هـ، في خلافة المعتصم. القليل منها يخالف هذا. ورود كلمتي: (سكن ونشأ)(3) في بعض ما كتب عن حياة ابن دريد، ربّما يكون السّببَ في مخالفة بعضهم شبه الإجماع: (أنّ مولد ابن دريد كان في البصرة). فقال نفر من الدّارسين كانت بعمان. وقد يكون تحيّزهم لوطنهم عمان، هو الذي جعلهم لا يقبلون بغير رواية مولد ابن دريد في عمان. الشّيخ نور الدّين السّالمي يقول: إنّ ابن دريد من أهل عمان،(4) والشّيخ محمد الخصيبي يقول: هو ممّن قال الشّعر من أهل عمان، سكن في صحار من الباطنة، ويقال أيضًا: سكن في (دُما) التي كانت مأوى الأخيار والعلماء، وهي بلد (السّيب) من خطّ الباطنة(5)
أمّا الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم طفيَّش، فهو أكثر وقوفًا أمام قضيّة المولد والنّشأة، وأكثر ميلاً إلى اعتبار أنّها كانت في عمان، وهو ينسب إلى بعض المؤرّخين العمانيّين، دون أن يشير إلى أسمائهم ما يرجّح وجهة نظره تلك. يقول: " كتب بعض مؤرّخي عُمان، وهم أهله ومنهم أرومته، وفيهم منبته، قال: هو من بلد (قدفع)، هكذا نصّ عليه صاحب (رسالة الأئمّة والعلماء) "(6)
الرّاجح أنّه ولد في سكّة صالح بالبصرة سنة 223هـ / ما يقابل تقريبًا 838م). هذا ما أثبتته كثير من المصادر القديمة والحديثة(7) أورد الدّكتور محمد صالح ناصر نصًّا لابن دريد، نقله تلميذه الحسن بن عبد الله بن سعيد اللّغوي، وأبو الحسن الدّريدي أحد غلمان ابن دريد، يشير فيه ابن دريد إلى أنّ مولده كان في البصرة: " ولدتُ بالبصرة، في سكّة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وذلك في خلافة المعتصم."(8)
مهما يقل في مكان مولد ابن دريد، فإنّ ما هو متّفق عليه هو تحقيق أصالته العمانيّة، ولو رجحت روايات مولده في البصرة، فإنّها تظلّ عمانيّة؛ بالنّظر إلى أنّ أغلب سكّان البصرة كانوا عمانيّين، وصلتهم بعمان لم تنقطع أبدًا، في المجال العلمي والتّجاري، والعلاقات الحميميّة، التي كانت تترجم لها وتجسّدها الرّحلات المكثّفة بين الجهتين. لم يغفل الدّارسون الحديث عن الصّلات التي تربط عمان بالبصرة، وبخاصّة قبيلة الأزد التي انتقلت إلى العراق وسكنت البصرة بخاصّة: " وإذا تحدّثنا عن صلات العمانيّين ببلاد العراق، فنحن نتحدّث عن تاريخ طويل بعيد، يعود إلى فترات ما قبل الإسلام، وقد لعبت التّجارة دورًا مهمًّا في هذه الصّلات، وإثر تمصير البصرة أثناء الفتوحات الإسلاميّة. ونظرًا لموقعها الجغرافي الذي يربطها بالخليج العربي وعمان انتقلت بطون كثيرة من القبائل العربية، وسكنت البصرة، ومنها قبيلة الأزد، بل إنّ الأزديّين كانوا الأكثر عددًا؛ لذلك سمّيت البصرة ببصرة الأزد، هنا يقول الشّاعر:
(1) - الدّكتور موسى بني خالد والدّكتور أنور عودة الخالدي، " ابن دريد الأزدي العماني: قراءة في حياته ومكانته العلميّة "، كتاب ابن دريد أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 86. ينظر ابن دريد، كتاب وصف المطر والسّحاب وما نعته العرب الرّوّاد من البقاع، تحقيق وتقديم وشرح عزّ الدّين التّنوخي، دمشق، 1382هـ/ 1963م، المقدّمة، ص: 11.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 38. ينظر ديوان ابن دريد، تحقيق عمر، ا بن سالم، تونس، 1973م، ص: 94.
(3) - مثلاً وردت هذه العبارة " نشأ ابن دريد بعمان وتنقّل بين البصرة وفارس وبغداد … " في كتاب عمان في التّاريخ، دار أميل للنّشر المحدودة، لندن، 1990م، ص: 244.
(4) - ينظر أبو محمد عبد الله بن حميد السّالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان،، ج1، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، (د. ت)، ص: 18.
(5) - محمد بن راشد الخصيبي، شقائق النّعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ج1،ط2، وزارة التّراث القومي والثّقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1989م، ص: 21.
(6) - الدّكتور أحمد درويش، ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 20. وأبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري، تحقيق كتاب " الملاحن " للإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1987م، المقدّمة.
(7) - ينظر مثلاً ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 93، هامش: 9. والدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد … ص: 39، 40. وغير هذين المرجعين …
(8) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 39. ينظر ابن بركات كمال الدّين الأنباري، نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار النّهضة، القاهرة، مصر، 1967م، ص: 256.