سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٧٦

في بحثه وغوصه إلى أغوار شخصيته، ويلتقط منها شذرات ممّا يحويه علمه الغزير؛ لتتكامل هذه النّظرات وهذه الملاحظات، فتعطينا وتقدّم لنا ابن دريد عالمًا كبيًرا متمكّنًا متميّزًا.

3 - منهج الكتاب

أ – يذكر ابن دريد الجملة، ويبيّن المعنى الغائب عن الذّهن، المقصود بالتّمثيل، ويغفل المعنى القريب المتبادر إلى الذّهن، أو الشّائع عند النّاس؛ اعتمادًا على أنّه معروف، وهو – في الحقيقة – ليس المعنيّ في إيراده، ولا يخدم غرضه.

ب – يورد الشّواهد الشّعرية على المعاني المُورَّى بها.

ج – يعتمد أحيانًا أسلوب القصّ، أي رواية قصص؛ ليقدّم ويعرض الدّلالات المختلفة التي تحملها الألفاظ. وهو يقوم بعملية التّعليم.

عن أهميّة كتاب الملاحن ودوره المتميّز، وعن الأبعاد الكبيرة التي يتوفّر عليها منهج ابن دريد في التّعليم، وتلقين اللّغة يقول الدّكتور أحمد درويش: " والكتاب يجيب بطريقة غير مباشرة ولا معلنة عن أسئلة دقيقة مثل: من يزعم أنّه يفهم اللّغة فهمًا كاملاً؟ وهل هناك مستوى واحد من الدّلالة يمكن أن يستوعبه كلّ أفراد الجماعة عند سماعهم عبارة ما؟ وهل يكفي الإنسان أن يكون عربيًا خالصًا حتّى يدرك كلّ مستويات التّخاطب؟ وهل يتمّ الفهم والإفهام من خلال إدراك المعنى القريب المباشر للمفردة والجملة، أم أنّ هناك مستويات رمزية أخرى، لا تدرك إلاّ بمجهود خاصّ، وفي أذهان جماعات خاصّة؟ "(1)

عرض الدّكتور هذه الأسئلة ليبيّن أنّ ابن دريد حين ألّف هذا الكتاب كان قصده أن يثبت أنّ اللّغة العربية غنيّة بمفرداتها التي تحمل دلالات عميقة، لا يعيها ولا يدركها إلاّ ذو الفطنة وصاحب الملكة الكبيرة، أي هي عصيّة على الإنسان العادي البسيط. ومن جهة أخرى إنّ اللّغة العربية قويّة بالمرونة التي تتوفّر عليها، يظهر هذا في امتلاك المفردة الواحدة مستويات عديدة من الدّلالات، يبرز جانبًا من ذلك اللّحن، كما وضّحه ابن دريد في كتاب الملاحن. هذه المستويات المتعدّدة تفي للمتعامل باللّغة العربية بغرضه في اختيار اللّفظ بالأسلوب المناسب.

(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 62.

٧١ / ١٥٣