سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٧٧هذه المميّزات التي تتّصف بها اللّغة العربية لا يفقهها كلّ النّاس، ولا يستطيع أن يبرزها أيّ شخص، إنّما لهذا الميدان فرسانه، من أمثال ابن دريد، الذي يملك القدرة والعبقرية للقيام بهذا الدّور، هنا مكمن التّميّز الذي يملكه المعلّم اللّغوي الكبير ابن دريد. هذه القدرة وهذا التّميّز تبرزهما خصائص توفّر عليها كتاب الملاحن. فما هي هذه المميّزات؟
4 - مميّزات الكتاب
أ … – اشتمل الكتاب على مادة لغوية مكثّفة، غنيّة بالدّلالات والشّواهد.
ب – نهج فيه ابن دريد نهجًا تعليميًا ليمكّن مريديه من حفظ مفردات اللّغة العربية، ومعرفة دلالاتها الخفية.
ج _ أبرز غنى اللّغة العربية ورقيّها؛ ببيان الأداء اللّغوى الذي يعتمد الرّمز، وهو اللّحن في هذا الكتاب، وفيه يظهر تعدّد الدّلالات.
د – جهود ابن دريد اللّغويّة الأخرى
ممّا يعزّز مكانة ابن دريد اللّغويّة ودوره في تأصيل بعض القواعد اللّغويّة، ويثبت جدارتَه في هذا المجال تنوّعُ تآليفه وتخصّصُها. فهو مثلا من مصنّفي معاجم الموضوعات، التي يدور كلّ منها حول موضوع واحد، مثل " السّرج واللّجام " وكتاب "صفة المطر والسّحاب"(1). وكتاب " البنون والبنات ". يقول عنه عبد السّلام هارون: " وظنّي أنّه كتاب لغوي، يبحث في ما يضاف إلى الابن والبنت "(2) ثمّ كتاب " الخيل الصّغير والخيل الكبير ".
له مؤلّفات هي عبارة عن ردود على بعض المزاعم اللّغويّة، ككتاب " الاشتقاق " في الرّدّ على من زعم أنّ أسماء القبائل جامدة غير مشتقّة. كما ألّف كتبا في بيان بعض الصّيغ في اللّغة، كرسالته في " فعلت وأفعلت "(3)
له تقييدات لغويّة في أربعة أبواب، تسمّى " أخبار ابن دريد "(4). له أيضا كتاب "التّناهي في اللّغة " وهو يشتمل على الألفاظ المشتركة الواقعة بين العرب العرباء ومعانيها.
له نظم في اللّغة، مثل المقصورة الصّغرى، أو كتاب المقصور والممدود. يتكوّن هذا النّظم من خمسة وخمسين بيتا (55)، يشتمل على سبع وخمسين كلمة مقصورة، ومثلها ممدودة كما ذكر الدّكتور شوقي ضيف(5) أي يتضمّن كلّ بيت كلمتين متماثلتين، إحداهما مقصورة والأخرى ممدودة، مع شروح فروق المعاني بينها في بعض الأحيان. وله قصيدة في هجاء "الباهلي" والتّعريض به. هي من نوع الألغاز اللّغويّة. قال عنها عمر، ابن سالم: " ما هي في الحقيقة إلاّ قائمة بالغرائب والمشتركات اللّفظيّة التي حاول فيها الشّاعر – وهو ما يزال شابّا – أن يظهر أمام منافسيه بمظهر الفقيه في اللّغة، المتبحّر فيها. "(6)
هذا التّنوّع في التّأليف والكتابة في مجال اللّغة يُبِين عن تمكّن ابن دريد فيه، وتبحّره في علوم اللّغة، كما يكشف عن الاهتمام بها اهتماما كبيرا، ويفصح عن إخلاصه وحبّه لها والدّفاع عنها، ومحاولته الجادّة تأصيل قواعد هذه اللّغة. نلحظ في هذه العناوين التي ذكرناها، وهي غيض من فيض من كتبه التي ما يزال معظمها مخطوطا، وكثيرها مفقودا(7) نلحظ أنّها تتوزّع بين تأليف معجمي للألفاظ وتصنيف الموضوعات، وردود على بعض المزاعم، واستقصاء المباحث، وإيراد
(1) - ذكر كارل بروكلمان اسما آخر للكتاب، هو " صفة الغيث وأخبار الرّواد وما حمدوا من الكلأ ". يراجع كتابه: تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني، ص: 183.
(2) - السّيّد مصطفى السّنوسي، تعليق من أمالي ابن دريد (تحقيق) ط1، مطابع مقهوي، الكويت، سنة 1404 هـ / 1984 م، ص: 35.
(3) - قال بروكلمان: انظر هل هي لابن دريد، ذكرها ابن النّديم، وقال أظنّها على غرار كتاب " فعلت وأفعلت" لأستاذه أبي حاتم السّجستاني. ينظر أيضا، تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 36.
(4) - جمع لابن دريد الشّيخ محمود الشّنقيطي (1816 – 1904م) كثيرا من مفردات المسائل اللّغويّة وطرائقها، سمّاها أيضا " أخبار ابن دريد " ينظر كتاب " الملاحن " لاين دريد (تصحيح وتعليق أبي إسحاق طفيش الجزائري) (ت 1965م)، المطبعة السّلفيّة بمصر، سنة 1347 هـ، ص: ل. وكتاب تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 33 – 49. يقول مصطفى السّنوسي: إنّ عبد المحسن المبارك حقّقها ونشرها في مجلّة المورد العراقيّة، المجلّد السّابع، العدد الأوّل، سنة 1978 م. هل ما ذكره هؤلاء الباحثون أسماء لمؤلّف واحد؟ هل هي مؤلّفات مختلفة، تحمل كلّها هذا الاسم؟
(5) - تاريخ الأدب العربي، العصر العبّاسي الثّاني، ص: 253.
(6) - عمر، ابن سالم، ديوان ابن دريد (تحقيق ودراسة)، الدّار التّونسيّة للنّشر، تونس، سنة 1973م، ص: 8، 9.
(7) - يراجع على الخصوص السّيّد مصطفى السّنوسي وكتابه، تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 34 وما بعدها للاطّلاع على قائمة مؤلّفات ابن دريد المخطوطة والمفقودة. لاشكّ أنّ طبع ما هو مخطوط بعد تحقيقه، والعثور على ما هو مفقود، سيزيد دعم مكانة ابن دريد اللّغويّة وإبراز شخصيّته العلميّة.