سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٧٨بعض التّفاصيل اللّغويّة، وتسجيل الصّيغ المستعملة في مجال معيّن وفي باب محدّد، واللّجوء إلى الألغاز اللّغويّة.
حتّى في أماليه ومجالسه العلميّة وأحاديثه الأدبيّة كان يُعنَى بتلقين اللّغة للنّاشئة، حرصا منه على إنقاذ اللّغة من التّلاشي، وحمايتها من التّشويه والتّحريف. وكان ينوّع في أساليب التّعليم والتّلقين. فالدّكتورة إكرام فاعور – في دراستها لأحاديث ابن دريد – ردّدت كثيرا عبارات: لاشكّ أنّها ذات مقصد أدبي ولغوي، جمع في شعابها ثروة لفظيّة وتعبيريّة، ليتقن النّاشئة أصول اللّغة وغريبها، الغرض من ذلك تهذيب النّفس وتهذيب اللّسان للإلمام باللّغة، وما يحتويه من مفردات غريبة وتراكيب مجازيّة، الغاية منه تعليم النّاشئة اللّغة.(1)
بهذا النّتاج الغزير في اللّغة، وهذه العناية الفائقة بتأصيل القواعد، وبهذه العاطفة الصّادقة نحو اللّسان العربي المبين، وبهذه الخدمات الجليلة التي قدّمها ابن دريد للأجيال في مجال اللّغة نال هذه المكانة السّامية في نفوس العلماء.
عرف عن ابن دريد نزعته التّجديدية، وشُهد له بالعمل الكبير في الدّأب على تأصيل قواعد اللّغة العربية، والتّأسيس والمشاركة في تطوير مناهج البحث في اللّغة، وتطوير الدّرس اللّغوي .. هذا التّوجّه فتح على ابن دريد بابًا واسعًا من الانتقاد والاتّهام بسبب خروجه عن المألوف في اللّغة العربية، أي استخدامه بعض الاشتقاقات اللّفظيّة، وإتيانه ببعض الأساليب والمناهج غير المعروفة في عصره، أو هي مخالفة للسَّنن العربي … قام علي بن محسن آل حفيظ بالرّدّ على هذه التّهم بقوله: " يحقّ لابن دريد أن يأتي بالجديد في فنون اللّغة العربية، سواء كان ذلك اشتقاقًا ونحتًا أو أساليب، وذلك للاعتبارات التّالية:
أوّلا: ثقافة الرّجل الغزيرة والعميقة والغور والموسوعية في جميع فنون العربية: نحوًا وبلاغة وأساليبَ تعبير وشعرًا. أليس ابن دريد الذي وصف من قبل معاصريه بأنّه قد انتهت إليه لغة البصريّين؟ وأنّه كان أحفظ النّاس، وأوسعهم علمًا، وأقدرهم على الشّعر؟ أما قالوا: (ما ازدحم العلم والشّعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد؟ … ألم يقولوا عنه بأنّه كان رأس أهل العلم، والمتقدّم في الحفظ للّغة والأنساب وأشعار العرب؟ … "
(1) - ينظر مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، الصّفحات الآتية: 90، 99، 101، 102، 103، 108 …