سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٨٠ثانيًا: إنّ ابن دريد وهو الفصيح الذي تنطق بفصاحته خرس الجماد من القبائل العمانية، والقبائل العمانية جلّها من الأرومة الجنوبية اليمنية، وعرب الجنوب لهم لغة أو لغات مختلفة الألفاظ والأسلوب عن لغة الشّمال، وهي لغة قبائل نجد والحجاز في معظمها، ولابدّ أنّ ابن دريد قد حوت ثقافته العديد، والعديد من أساليب اللّغة الجنوبية ومفرداتها اللّفظيّة، وذلك من مجالس أهله وذويه أيّام طفولته والصّغر من ناحية، ومن البيئة العمانية القديمة التي انتقل إليها أو عاد إليها من العراق، إثر ظهور حركة الزّنج ليمكث فيها طويلاً عالمًا ومتعلّمًا قبل أن يركب جناح الرّيح إلى إيوان ابني ميكال لتذيع شهرته من هناك …(1)
شخص يملك هذه الثّقافة الواسعة، ويحسن الإبحار في محيط اللّغة، وشخصيّة يعترف لها بالتّفوّق والتّميّز في الدّرس اللّغوي، وفرد تسجّل له وتعرف له مؤهّلات وقدرات للإبداع والإنتاج غير المحدودين، ورجل يقرّ ويؤمن بروح التّجديد والتّطوير، وعالم يشهد له بالأصالة والغيرة على اللّغة العربية، وبالدّور الكبير في الدّفاع عنها: محاورة وتأليفًا، وتعمّقًا في البحث اللّغوي، وتوجيهًا للدّرس اللّغوي للبروز في مظاهر القوّة والغنى …
علم بهذه المواصفات، وبهذه الكفايات … أَيُتَّهَمُ بأنّه مبتدع في اللّغة العربية؛ بما يسيء إليها، ممّا يعدّ خروجًا عن المألوف في اشتقاقاتها اللّفظية والأسلوبية؟؟ الكفاية العلمية والتّربوية التي يتوفّر عليها ابن دريد، والقدرة على الإبداع التي يتميّز بها، والحماسة على اللّغة العربية التي تلازم شخصيته … كلّ هذا كان الأجدر أن يدفع إلى الثّقة في عمله، أو على الأقلّ إلى حسن الظّنّ فيما أقدم عليه من تطوير الدّرس اللّغوي، في مضامينه ومناهجه، وفي اشتقاقات الألفاظ، و أساليب اللّغة. فما أخطأ فيه يعرض ويناقش فيه بمنهجيّة علمية وموضوعية ..
نختم هذا المبحث بشهادتين تسّجلان لابن دريد فضلا كبيرًا في الدّرس اللّغوي:
1 - الفقرة الآتية سجّلت لابن دريد فضلاً كبيرًا في مجال الصّوتيات، وسبقًا وريادة في هذا المجال .. قال عبد العزيز الصّيغ في نهاية دراسته مسجّلا الإضافات التي أتى بها ابن دريد: "تبيّن من خلال ما مضى(2) أنّ ابن دريد كان صاحب نظر صوتي، خاضَ في هذا المجال الدّقيق الشّائك، وقدّم جملة من الآراء الصّوتية الدّالة
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 142، 143.
(2) - قال هذا في خلاصة دراسته: " من الجهود الصّوتية والصّرفية عند ابن دريد "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 381 – 402.