سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٨١على ذهنية لغوية كبيرة، فقد أدرك الجانب الصّوتي للغة الذي صاغه بعده ابن جنّي، حين عرّف اللّغة بأنّها أصوات، يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم، كما كان صاحب جهد صرفي، تجلّى في كتابه (الاشتقاق) واضحًا.(1)
2 – الفقرة الثّانية أقرّت واعترفت بتمكّن ابن دريد في علم اللّغة. يقول أحمد عبد اللّطيف اللّيثي: " ولعلّ الباحث المدقّق إذا درس كتب ابن دريد في اللّغة، يجد فيها العالم المتمكّن، الذي يجمع مادته العلمية جمعًا مستوعبًا، ويقدّم منها ما يقدّم ممّا يراه لازمًا لقضيّته، في صيغة علمية بعيدة عن التّهويل والتّهوين "(2)
كلّ من كتب بموضوعية وإنصاف عن ابن دريد يعترف له بالتّفوّق والتّميّز والإضافة والتّجديد في الفكر اللّغوي العربي، نسجّل هنا أنّ ابن دريد ساعدته على ذلك مواهبه الفطرية، وفرص التّكوّن التي أتيحت إلى جانب العصر الذي وجد فيه، الذي كان عصر المنافسة العلمية، وعصر العلماء الفطاحل الذين كانوا يتسابقون إلى تطوير المعرفة، وتنمية حركة التّأليف، وعصر التّأصيل العلمي … لقد وجد ابن دريد نفسه وسط هذا الجوّ العلمي، فانطلق مع السّاعين في مضمار البحث، وأبحر وغاص مع الغائصين في بحر العلم والمعرفة يؤلّف ويصنّف وبصفّف: "كان لابن دريد أن يضيف جديدًا في المجالين العلمي والفكري على حدّ سواء، وذلك لطبيعة عصره من ناحية، وهو القرن الرّابع الذي يعتبر عصر بحث ونشاط علمي وفكري متميّز بالنّسبة للحضارة العربية الإسلامية، حيث نمت العلوم نموًّا واسعًا، وظهرت مجموعة كثيرة من المؤلّفات في مجال النّحو والآداب والمجال المعجمي، فقد اهتمّ علماء القرن الرّابع الهجري بترسيم قواعد اللّغة العربية ومعاني الألفاظ والكلمات، وعمل المعاجم، وما إلى ذلك … "(3)
(1) - المرجع السّابق، ص: 399.
(2) -فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، إصدار سنة 1990، ص: 125.
(3) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 169.