سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٨٢الفصل الثّالث
ابن دريد أديبًا(1)
يقول الدّكتور أحمد درويش عن شخصية ابن دريد الأدبية: " برغم طول باع ابن دريد في مجال اللّغة وأخذه لزعامة مدرسة البصرة، ذات الاتّجاه النّحوي اللّغوي الواضح، وبرغم تخرّجه على يد شيوخ اللّغة في عصره، وتخرّج أئمّة النّحو واللّغة على يديه، برغم هذا كلّه فقد كانت سمته الأدبية شديدة الوضوح، وعدّ في عصره من كبار من يؤخذ الأدب على يديهم، ومن الشّائع في تراجم ذلك العصر أن يقال: إنّ فلانًا رحل إلى البصرة أو بغداد، فسمع الحديث من فلان، وقرأ النّحو على فلان، وأخذ العربية والأدب من ابن دريد، وقد انتهى معاصروه وتلاميذه إلى القول بأنّه رجل ازدحم العلم والشّعر في صدره، وإذا كان أبو حيان التّوحيدي قد حيّرهم بتفوّقه في مجالي الفلسفة والأدب معًا، فعدّوه فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، فقد كان لابن دريد الشّأن ذاته في مجالي الأدب والعلم معًا، فهو من هذه النّاحية أديب العلماء وعالم الأدباء، إذا كان لابدّ من التّصنيف. "(2)
يصنّفه فيليب فان تيغم لغويًا شاعرًا أديبًا، " وأنّه مؤلّف قاموس وعدّة أعمال لغوية ذات صلة شديدة بالأدب "(3)
أوّلا: شعره
- نظرة عامّة حول شعره
ابن دريد أديب وشاعر، تعشّق الشّعر، قرضه وهو ابن العشرين(4) وهو القائل:
بالشِّعْرِ يُبْدِي المرْءُ صَفْحَةَ عَقْلِهِ … فَيُعْلِنُ مِنْهُ كُلّ ما كانَ يَكْتُمُ(5)
إنَّ عالم ابن دريد الشّعري عميق وفسيح، لكنّه مجهول جهلا كبيرًا؛ بسبب طغيان الشّخصية اللّغوية عليه، وتقديمه للنّاس لغويًا، من دون لفت النّظر إلى شخصيّته الأدبية – إلاّ قليلاً -. قد يكون هذا ناتجًا عن سبب فقد كثير من نتاجه الأدبي، وبخاصّة الشّعري منه .. وسيطرة النّزعة اللّغوية على أدبه .. لذا فإنّ الولوج إلى العالم الشّعري في شخصيّة ابن دريد – بخاصّة - في حاجة إلى كفاية ومغامرة وإرادة كبيرة للكشف عن هذا العالم المنطوي على أسرار ومخفيات ومستورات وغموض وألغاز …
قال الدّكتور عماد حسيب محمد: " إنّ الدّخول إلى عالم ابن دريد الشّعري يعدّ نوعًا من اختراق الحجب الملوّنة المستورة خلف مسافات شاسعة من الرّؤية الإبداعية الخاصّة، تلك المسافات التي تغزوها خيول الألفاظ الجامحة، التي تقتفى آثارها في تربة النّصّ، من خلال منظار ثلاثي الأبعاد، يتّجه بعده الأوّل إلى الأغراض الشّعرية التي كتب فيها، وبعده الثّاني إلى آليات التّشكيل الفنّي في نصوصه، أمّا الأخير فيتّجه إلى علاقات التّجاوز التي تخرج النّصّ من فضائه الورقي إلى فضاء أرحب، تتشابك دلالاته اللّغوية مع مساحات التجديد الشّكلي "(6)
هذا التّنوع في الألوان الشّعرية التي تطرّق إليها ابن دريد، واقتداره على التّنويع في مجالات الكتابة، والجولان بقوّة في مضامير الإبداع … كلّ هذا جعل الدّارسين يصدرون في حقّه أحكامًا قيمية عالية، تكشف عن عبقرية كبيرة وشخصية متميّزة في عوالم العلم والفكر والأدب … يقول عنه أبو الطّيّب اللّغوي: " وكان أحفظ النّاس وأوسعهم علمًا، وأقدرهم على شعر، وما ازدحم العلم والشّعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر، وأبي بكر بن دريد(7). ويقول أبو بكر محمد بن رزق الأسدي: كان يقال إنّ
(1) - حول حياة ابن دريد الأدبيّة، نذكر الدّراسات الآتية: أ – أبو بكر بن دريد الأديب، تحقيق " تعليق من أماليه " (رسالة ماجستير) مخطوطة بكليّة دار العلوم، جامعة القاهرة، إعداد السّيّد مصطفى السّنوسي. ب – ابن دريد حياته وآثاره وتأثيره، لعمر، ابن سالم، الدّار التّونسيّة للنّشر، سنة 1972م، وهو باللّغة الفرنسيّة. ج - مقصورة ابن دريد، بحث تاريخي مقارن لعطّار أحمد عبد الغفور. د - محمد بن الحسن بن دريد للدّكتور محمد صالح ناصر. هـ - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، للدّكتور أحمد درويش. و – دراسة في أحاديث ابن دريد، للدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام. ز – ابن دريد العالم المعلم، للدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام. ح – كتاب المؤتمر الدّولي ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، وحدة الدّراسات العمانية، جامعة آل البيت، الأردن …
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 96.
(3) - المرجع نفسه. ينظر:
Philipe Van Tieghme. Dicionnaire des litteratures. Tom ll. P. 1912. Puf Paris. 1968.
(4) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 40.
(5) -ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 59.
(6) - الدّكتور عماد حسيب محمد، " تنوّع الخطاب الشّعري ومرايا الاختلاف، مقاربة نصّية في ديوان ابن دريد الأزدي "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1123.
(7) - ينظر مراتب النّحويين، ص: 84.