سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٨٧يقول الدّكتور أحمد درويش: " وقد كان حظّ ابن دريد – فيما بقي بين أيدينا من شعره في الحكمة – حظًّّّّّّّّّّّّّّّّّّّا عابرًا، لم يخصّص له سوى المثلّثة، وجاءت أبياتها الأخرى متناثرة بين الأغراض المختلفة … "(1)
لست أدري ماذا يعني الدّكتور بهذا الحُكم، هو نفسه درس شعر ابن دريد دراسة معمّقة، وسجّل له في المقصورة وحدها مجموعة كبيرة من الحكم، ونوّه بها، كما درس بقيّة شعره، وسجّل له فيها كمًّا هائلاً منها. قال عن قصائد (المثلّثة) التي عرفت عن ابن دريد: " … واتّخذت من الحكمة موضوعا لها " " … وهكذا تستمرّ المثلّثة كما قلنا واحدًا وثلاثين مقطعًا في نفس شعري صافٍ ومحتوى، يذكر بالجانب الذي أشرنا إليه من ثقافة ابن دريد، والمتعلّق بحبّ الحكمة، والإبحار؛ بحثًا عنها في الثّقافات الأجنبية أو المترجمة، كما تلمّسنا ذلك من كتابه (المجتنى). وها هو يضيف إلى ما اختار نتاجه الشّعري في عالم الحكمة مصوغًا في قالب موسيقي طريف ومضيفًا إلى ذلك التّراث الذي عرفه الشّعر العربي منذ الحاهلية … وصالح بن عبد القدّوس الذي يمكن أن يتشابه نفس ابن دريد في شعر الحكمة مع نفسه ومع تجربته في الحياة والنّاس …(2).
ترديد الدّكتور كلمة (الحكمة) في الأسطر السّابقة عدّة مرّات، وتسجيله في ثقافة ابن دريد حبّ الحكمة، والبحث عنها في مظانها ودراستها، مع ملاحظته تضمين ابن دريد لها فيما كتب شعرًا … كلّ ذلك يردّ عليه، أو هو يردّ على نفسه حكمه أنّ الحكمة في شعر ابن دريد قليلة.
يضاف إلى ذلك أنّ كلّ من درس شعر ابن دريد يقرّ أنّ الحكمة هي الغرض الأكثر بروزًا فيه؛ إذ أنّها تتماشى مع التّجارب الكبيرة والقيّمة التي خاضها في حياته الطويلة الحافلة بالمواقف المتنوّعة والمختلفة، والرّؤى العميقة والنّظرات الثّاقبة … وتستجيب وتنسجم مع رغبته في التّعليم والتّنشئة ..
لقد أجمع الدّارسون أنّه عاش في حياته، وعايش في عصره الظّلم والبغض والكراهية، وعاش المعاناة والضّيق والمجافاة … فعالج مخلّفات كلّ هذا في شعره، فجاءنا ناقلاً معاناة كبيرة، وتجارب قيّمة هادفة، أنتجت حكمًا غالية، وأمثالا سائرة.
كما جاءت هذه الحِكَمُ لتستجيب لطبيعة شخصيته التي اتّخذت التّعليم مهنة، لقد كان المحورَ الذي دار حوله نشاطه، والدّائرةَ التي تحرّكت فيها عجلته … هذه المعطيات