سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٩٠هذا الحكم لا يعني أنّ ابن دريد كان يبقى في حدود الأسئلة، ولا يتعدّاها إلى تقديم حقائق، وإعطاء أجوبة لكثير من اهتمامات النّاس، بل لقد كان في شعره يعطي دروسًا وتوجيهات لكيفية خوض غمار الحياة بعدّة وعتاد؛ مستخلصًا ذلك من تجاربه الخاصّة، وممّا تعلّمه ممّن احتكّ بهم. فهو كان معلّمًا طول حياته، وكان همّه الكبير أن يعلّم الأجيال ما ينفعها ويعينها على بناء شخصياتها. فلا يمكن مع هذا القصد أن يبقى في دائرة التّساؤل، من دون تخطّي هذا إلى تقديم معطيات وحقائق عن المسائل التي أشار إليها الدّكتور رابح طبجون.
لا يمكن للمعلّم المربّي أن يبقى في هذه الدّائرة، ويعيش مع التّأمّلات ويهيم فيها، من دون الخروج منها إلى الواقع في حياة النّاس، ويقدّم لهم خلاصة تجاربه للتّربية والتّوجيه والإرشاد، بقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " … ثمّ لأنّ مفتاح شخصية ابن دريد هي التّعليم، فهو معلّم بالقول والفعل، أخلص لهذه المهنة عمره كلّه الذي تجاوز ثمانية وتسعين عامًا. والمعلّم ينزع بطبعه إلى أن يوصل علمه وتجربته إلى الآخرين، إمّا نثرًا وإمّا شعرًا، وابن دريد ممّن جمع بين الأسلوبين، وتفوّق في النّوعين."(1)
إلاّ أن يكون قصد رابح طبجون: إنّ ابن دريد كان يتعمّق الأشياء ليثير فضول النّاس لمزيد الغوص والتّنقيب والبحث المستمرّ؛ لأنّ الحياة تتطوّر وتتجدّد، وفي كلّ حين تستجدّ أشياء، على المرء أن يتأمّل فيها، ويعرض حولها أسئلة جديدة كلّما وجد جوابًا لما يشغل باله. هذه الخصّيصة تمنح ابن دريد صفة الأديب العالم.
11– يكشف شعره عن أنّه كان يعاني من النّاس كثيرا، وأنّ ظروفًا عصيبةً مرّت عليه، عجمها وعجمته:
إِنّي حَلَبْتُ الدَّهْرَ شَطْرَيْهِ فَقَدْ … أمَرَّ لي حِينًا وَأَحْيَانًا حَلَا
وَفَرَّ عَنْ تَجْرِبَةٍٍ نابِي فَقُلْ … في بَازِلٍ رَاضَ الخُطوبَ وَامْتَطَى(2)
أحيانا يصل به الحال إلى التّشاؤم والضّجر من خلق النّاس، ومن تصرّفاتهم. هذه الصّبغة التي تصبغ كثيرًا من شعره، تعكس المرارة التي طبعت حياته، وتصوّر الظّروف الصّعبة التي كانت توجّهها(3) قال مثلاً:
وَمَا أَحَدٌ مِنْ أَلْسُنِ النَّاسِ سَالمًا … وَلَوْ أَنَّهُ ذَاكَ النَّبِيُّ المُطَهَّرُ
فِإِنْ كَانَ مِقْدَامًا، يَقُولُونَ: أَهْوَجُ … وَإِنْ كانَ مِفْضالاً، يقُولونَ: مُبذِرُ
وَإِنْ كانَ سِكِّيتًا، يَقُولونَ: أَبْكَمُ … وَإِنْ كَانَ مِنْطِيقًا، يَقُولونَ: مُهْذِرُ
وَإِنْ كَانَ صَوَّامًا، وَبِاللّيْلِ قَائِمًا … َيقُولونَ: زَرَّافٌ، يُرَائِي وَيَمْكُرُ
فَلاَ تَحْتَفِلْ بِالنَّاسِ في الذّمِّ وَالثَّنَا … فَلاَ تَخْشَ غَيْرَ اللهِ، فَاللهُ أَكْبَرُ(4)
12– كان أحيانًا يلجأ في نظمه إلى أساليب خاصّة، ويركب الوعر في الكتابة، و يستعمل كلمات صعبة وغريبة، من محفوظه الذي خزّنته ذاكرته. ربّما كان يهدف بهذا إلى التّجديد في الكتابة، كما كان ذلك سائدًا في العصر العبّاسي الذي عاش فيه، إلى جانب ما كان يقصده من تدريب النّاشئة على أساليب متنوّعة في الكتابة الشّعرية، ثمّ إلى تلقينهم اللّغة العربية، ممثّلة في الألفاظ التي هي المادة التي يبنون بها أساليبهم، التي قد تنسى بسبب عدم تحفيظ المتعلّمين لها. كتب ما يسمّى بالقصيدة المربّعة والمثلّثة التي أبدى فيها نوعًا من التّجديد، الذي هو تقييد وإلزام عن طريق التّغيير أو التّطوير في أساليب النّظم أو طريقة الكتابة، وشكل الأبيات. رغم تحرّره من رتابة القافية، ومن الالتزام ببحر واحد في هذا النّوع من الشّعر الذي كان يأتيه من حين إلى حين، إذ كلّ مجموعة ينتظمها بحر، وبذلك تضمّ القصيدة عدّة بحور …
" وربّما كان ابن دريد من الرّوّاد الذين حاولوا شقّ الطّريق لمن جاء بعده في إلزام نفسه بما لا يلزم، ويظهر ذلك جليًّا في تقسيمه لهذه القصيدة التي تربو على مائة وستّة عشر بيتًا، كلّ أربعة أبيات تنتهي بحرف هجائي من حروف العربية، وتبدأ بالحرف نفسه. فالأبيات الأربعة الأولى تبدأ جميعها بالهمزة، وتنتهي بالهمزة، والأبيات الأربعة الثّانية تبدأ بالباء وتنتهي جميعها بالباء. وهكذا إلى نهاية القصيدة، وبحرف الياء."(5)
هذا نموذج لهذه الطّريقة وهذا النّوع من الشّعر:
أَبْقَيْت لي سُقْمًا يُمازِجُ عَبْرَتِي … منْ ذا يَلذُّ معَ السَّقَامِ لِقاءُ
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 119.
(2) - الدّيوان، تحقيق عمر، ابن سالم، ص: 132.
(3) - تراجع في المصدر السّابق قصيدته: " أقاويل النّاس "، ص: 21. ورأيه في النّاس، ص: 23.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 122. ينظر الدّيوان، تحقيق محمد العلوي، ص: 71.
(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1070.