سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٩١

أشْمَتَّ بي الأعْداءَ حينَ هَجَرْتَني … حاشاكَ ممَّا يُشْمِتُ الأَعْداءَ

أَبْكَيْتَني حتَّى ظَنَنْتُ بأَنَّنِي … سَيَصيرُ عُمْرِي ما حَيِيْتُ بُكاءَ

أُخْفِي وَأُعْلِنُ بِاضْطِرارٍ إِنَّنِي … لاَ أَسْتَطيعُ لِمَا أُجِنُّ خَفاءَ

بِقَلْبِي لذْعٌ مِنْ هَواكَ مُبَرَّحٌ … نَعَمْ دامَ ذلِكَ اللّذْعُ مَا عِشْتَ للقلب

بِكَ اسْتَحْسَنَتْ نَفْسِي الصّبابَةَ والصّبا … وَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ اليَوْمِ أزْرِي على الصَّبّ

بَذَلْتُ لَهُ الدَّمْعَ الذي كُنْتُ صَائِنًا … لأَدْناهُ إلاَّ في الجليلِ منَ الخَطْب

بُلِيتُ بِبَعْضِ الحُبِّ والحُبُّ موعدي … مُجَاوَرَةً بَعْدَ المَنِيَّةِ في التُّرْبِ(1)

" وإذا كان ابن دريد في مربّعته هذه قد تحرّر من قيود البحر الواحد ومن القافية، فإنّه التزم بقيود أخرى، أملت عليه التّحرّك في آفاق اكتسبت ضربًا من تحديد الحريّة، وكأنّه فكّ بعض القيود ليلزم نفسه بقيود أخرى، تلك هي التي قصدها الشّاعر لتكوّن بُعْدًا تجديديًا في شكل القصيدة العبّاسيّة، يكون متّفقًا مع معطيات الحضارة الجديدة، ومواكبًا لتقدّمها ونهضتها، وليكون ذلك سبيلا للآخرين يعلّمهم كيفية التّفنّن والإبداع."(2)

مهما يقل عن صنيع ابن دريد فإنّ ذلك يعطيه فضل التّجديد في الإبداع الشّعري، ويمنحه ميزة التّضلّع في أكثر من مجال من مجالات المعرفة والإبداع. وقوّة في الشخصيّة العلمية؛ بجمعه بين ميدانين يقفان بين طرفي الإبداع: الأدب الذي يحتاج إلى الخيال والعاطفة والعلم الذي يميل إلى العقل والفكر. هذا ما مكّنه من أن يظفر بلقب أعلم الشّعر اء وأشعر العلماء.

هذه الظّاهرة في شعر ابن دريد دفعت بالدّكتور رابح طبجون أن يقوم بقراءة جديدة لشعره، في مضمونه وشكله، ونقد الطّريقة التي عولج بها الشّعر العربي دراسة وتحليلاً وتوجيهًا؛ وذلك بتناوله ما أهمل من الجوانب فيه، وبعض المميّزات التي يتوفرّ عليها، التي يُتطرّق إليها فصدرت فيه أحكام غيرحقيقية. من ذلك الفصل بين الجانبين الفكري

(1) - المرجع السّابق، ص: 1070، 1071. ينظر الدّيوان، تحقيق عمر بن سالم، ص: 41.

(2) - المرجع السّابق، ص: 1071.

٨٤ / ١٥٣