سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٩٣

والشّعري في التّناول، والنّظرة إلى الشّعر أنّه إحساس وشعور وانفعال، ينتج عنهما الجمال والمتعة، فهو بذلك يتقابل مع الفكر ولا يندمج معه. فلا يمكنه بهذه الصّفة أن بقدّم المعرفة والحقائق … فعمد الدّكتور إلى شعر ابن دريد بيّن من خلاله أنّ العرض وهذا التّحليل غير صحيحين، وخرج أنّ شعر ابن دريد يتوفّر على العنصرين. غير أنّ هذا الشّعر في حاجة إلى دراسة معمّقة، يقول الدّكتور رابح طبجون: " وأخيرًا نقول: إنّ شعر ابن دريد في حاجة إلى قراءة جديدة بمعطيات جديدة، تبحث عن المعرفي والجمالي، ولطالما غاب هذا المنحى لسيطرة اتّجاهات نقدية بعينها، رسّخت أنّ عالم اللّغة لا يمكن أن يكون شاعرًا، عنده زخم المعاناة الشّعرية وعذاباتها … وقد صدق القائل: إنّ ابن دريد عالم الشّعراء وشاعر العلماء "(1)

13 – من الخصائص التي تميّز بها ابن دريد في الكتابة الشّعرية ركوب القوافي الصّعبة، التي يقلّ لجوء الشّعراء إليها، مثل التي تنتهي برويّ: الثّاء، والصّاد، والضّاد، والطّاء، والظّاء. قال ابن دريد في مدح يحي بن عبد الوهّاب قصيدة، منها هذه الأبيات:

مُقَلُ الجآذِرِ نَبْلُها الأَلْحاظُ … مَا إِنْ لَهَا فَذَذٌ وَلاَ أَرْعَاظُ

أَوَ لَمْ يَجزْنَ وَقَدْ مَلَكْنَ قُلُوبَنَا … فَأَلَنَّهَاوَقُلُوبُهُنَّ غِلاظُ

يَا مَا لَهُنَّ لَدَغْنَ بالبرْقِ التي … سَفَعَ الحَشَا مِنْ لَدْغِهِنَّ شُواظُ(2)

النّفثة التي ملأت صدر ابن دريد، حملتها القصيدة الآتية في رثاء عمّه الحسين بن دريد، صاحب الأفضال الكثيرة عليه، فهو الذي كفله وربّاه وعلّمه، ووجّه حياته العلمية، فكان في النّهاية العالم الكبير. هذه أبيات منها، وهي على رويّ الضّاد:

نَجْمُ العُلى بَعْدَكَ مُنْقَضُ … وَرُكْنُهُ الأَوْثَقُ مُنهَضُ

يا وَاحِدًا لَمْ تُبْقِ لِي واحِدًا … يُرْجَى بِهٍ الإِبْرامُ والنّقْضُ

أديل بَطْنُ الأَرْضِ مِنْ ظَهْرِها … يَوْمَ حَوَتْ جُثْمَانَهُ الأَرْضُ

وَلَّى الرَّدَى يَوْمَ تَوَلَّى بِهِ … وَوَجْهُهُ أَزْهَرُ مُبْيَضُ(3)

(1) - المرجع السّابق، ص: 1170.

(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 75. ينظر الدّيوان، تحقيق عمر بن سالم، ص: 63. الفذذ: الرّيش المحيط بالسّهم. الأرعاظ: الثّقب الذي في رأس السّهم. السّفع: اللّفح بالشّمس.

(3) - المرجع نفسه، يبدو في الأبيات خلل في الوزن، قد يعود إلى التّصحيف الذي وقع فيها ..

٨٥ / ١٥٣